الجمعة، 17 أبريل، 2015



نشرت جميع أعمال محمود البدوى فى العنوان

الجمعة، 1 يناير، 2010


كتاب فندق الدانوب للأديب المصرى الراحل محمود البدوى

نشر فى

http://elbadawy70.blogspot.com


فندق الدانوب




فندق الدانوب



عدت إلى كونستنزا ، ونزلت فى " فندق الدانوب " مرة أخرى ، كما شاءت كاترينا ، على الرغم من أنه ليس من الفنادق التى تشتهى فى هذه المدينة ، فهو يبعد عن البحر ، ويبعد كذلك عن أنظار السائحين ، والجانب الأكبر من حجراته لا يدور مع الشمس ، ولا يشرف على مناظر خلابة ، وهو إلى جانب هذا يقع فى قلب المدينة ، وعلى خطى قليلة من الخط الحديدى ، فالمقيم فيه ينام على صوت العجلات وهى تدور على القضبان ، وينهض على صفير القطر وهى تبرح المحطة ..!

على أن كل شيء يتحول فى نظرك إلى جمال وفتنة عندما ترى كاترينا .. تلك الفتاة الروسية الجميلة التى تعمل فى الفندق ..

وكنت قد لبست حلتى وتهيأت للخروج عندما دخلت كاترينا غرفتى فحيتنى فى ابتسامة ساحرة ..! وهصرت ستر النافذة ، وقالت ووجهها مشرف على الطريق :

ـ نمت نومًا عميقًا وحلمت بكاترينا كالعادة ..؟

ـ أجل يا كاترينا .. وحلمت أننا نجرى على ساحل البحر فى كارمن سلفيا .. وأنت تطفرين من المرح وتقذفيننى بالكرة .. والآن هل تحققين هذا الحلم ..؟

ـ ماذا ..؟ أتنزه معك ..؟ والعمل والفندق ..؟ أنا أمشى مع الشبان فى الطرقات ..!

ـ طبعًا يا كاترينا .. أنت لا تمشين مع الصعاليك من أمثالى ..!

ـ آه .. صعلوك .. ماذا تقول .. صعلوك ..؟ لا تقل هذا ..!

ومالت بخصرها على مائدة صغيرة فى الغرفة وهى تهتز من الضحك وتزيح خصل الشعر المتدلية على جبينها .. وتمر بأناملها على فمها .. وقد تورد وجهها وأشرق محياها .. سكنت نأمتها .. وأخذت ترنو إلىّ وعلى وجهها سحنة الفتاة الريفية التى لا تعرف من صروف الحياة شيئًا .. وقالت بصوت حلو لين النبرات :

ـ أنت لا تعرف شعور الفتاة يا شوقى .. كيف أخلع رداء الحياء وأمشى على شاطئ البحر شبه عارية وعيون الشبان تأكلنى ..؟ كلا .. أنا فتاة من أسرة روسية معروفة .. وأنت تقول لى هذا الكلام لأنك لا تعرفنى .. ترى أمامك فتاة فقيرة تعمل فى فندق .. هذا هو كل ما تعرفه عنى .. إفهم شعور العذراء يا شوقى ..!

ـ طبعًا .. أنا أعرف شعور العذراء يا كاترينا .. ولكن هذا لا يمنعك من التنزه معى لترى الدنيا .. الدنيا ليست هنا فى هذا الفندق ..

فاحمر وجه كاترينا .. وأسبلت جفنيها .. وغضت رأسها .. كطفل صغير ارتكب عملا يعده مزرياً .. ثم رفعت أهدابها وقالت بصوت خافت :

ـ كيف أخرج معك بهذا الثوب ..؟ أنظر ..!

ونظرت إلى ثوبها وكان يبعث على الرثاء حقًا ..!

ـ أليس معك غيره يا كاترينا ..؟

فغضت رأسها ثانية .. وانسدلت أهدابها على هاتين العينين الزرقاوين اللتين لا تعرف من أسرارهما وتعابيرهما شيئًا ..

ورفعت جبينها وقالت ويدها على عاتقى :

ـ أبدًا .. أنا فتاة وحيدة وفقيرة ..!

ـ سأجود لك بثوب جديد يا كاترينا ..

فاهتز جسمها .. كأن سيالا كهربائيا سرى فى ألياف لحمها .. وطوقتنى بذراعيها ..

وقالت وهى نشوى طروب :

ـ والآن .. سأجيء لك بالإفطار .. وسنفطر سويًا .. ولكن لا تأكل الطعام كله كما تفعل دائمًا .. ولا تدع للصغيرة المسكينة كاترينا شيئاً .. أوه .. أنت مروع ..!

***

رجعت ذات ليلة إلى الفندق متأخرًا ، بعد أن قامرت وأفرطت فى الشراب .. لعبت الروليت فى الكازينو وخسرت كثيراً ، وطيرت الخسارة الأحلام من رأسى وصعدت درجات الفندق متثاقلا حتى بلغت غرفتى .. وقد خيم السكون العميق على الطابق كله .. وفيما أدير المفتاح فى الباب سمعت رنين قبلات فى إحدى الغرف .. ثم صوت ضحكات .. ضحكات كاترينا بعينها .. فلا أحد يضحك مثلها بقلب طروب .. وسمعت إثر ذلك صوتها وهى تتحدث فى همس .. وفتحت باب غرفتى ودفعته ورائى بغيظ وحنق ..

وبعد لحظات فتح الباب برفق .. ودخلت كاترينا وهى تتثاءب وعيناها شبه مغلقتين .. كأنها مستيقظة من نوم عميق .. أو أفاقت فى التو من تأثير مخدر ..! وجلست على الديوان وهى تفرك عينيها ووضعت ساقًا فوق أخرى ، ومالت بجسمها إلى الوراء وقالت وهى أشبه بالنائمة أو الحالمة :

ـ لماذا تأخرت هكذا ..؟ كنت فى الكازينو طبعًا .. لقد أبصرت بك ليزا مع بعض الغوانى ..

فصمت ولم أجب .. ونظرت إلى هذه الفتاة وهى تتكسر وتتثائب ، وتتصنع التعب الشديد ، وتحاول الاستفاقة من النوم ، وقد كانت منذ لحظة فى أحضان رجل ، وحاولت أن أقرأ فى عينيها شيئًا ينم عن حقيقة أمرها فلم أستطع ..

وجلست صامتة وهى تسارقنى النظر .. ثم نهضت ومشت إلى صوان الملابس وجاءت لى بجلبابى ، فتناولته منها ، ودفعتها عنى ، فابتعدت قليلا ولم تقل شيئًا ، وظلت هادئة ووجهها ساكن الطائر ، ونظراتها لا تتغير ..

وقلت بصوت خشن ، وقد تحول بصرى عنها :

ـ والآن أريد أن أنام يا كاترينا ..

ـ ألا تريد شيئًا .. ؟

فرفعت وجهى ونظرت إليها نظرة يتطاير منها شرر الغضب .. فوقفت فى وسط الغرفة أكثر من دقيقة وهى لا تبدى حـراكا ، ولا تحـرك ساكنًا .. ثم مشت متثاقلة إلى الباب ..

وأغلقت الباب وراءها بعنف وغيظ ، ولا أدرى لماذا كنت أحمق إلى هذا الحد ..

وذهبت مرة إلى مطعم من مطاعم السمك الفخمة فى شارع كارول لأتعشى .. بعد أن ترددت طويلا فى ولوج بابه .. وجلست فى ركن بعيد عن الخلق ، وأنا شاعر بالنفور والقلق .. ودرت ببصرى الحائر فيمن حولى .. كما ينظر الرجل الغريب إلى قوم لا يعرفونه .. وشد ما كانت دهشتى عندما لمحت كاترينا جالسة إلى مائدة فى وسط القاعة مع كهل أنيق الملبس رائع المظهر .. وكانت ترتدى ثوبًا من الحرير الفاخر لا ترى مثله إلا فى قصور الأمراء ..! ولما وقع نظرها علىّ ابتسمت ، وأحنت رأسها فى أرستقراطية أصيلة ..! ولمحت فى عينيها وهى تنظر إلىّ ذلك البريق الخاطف الذى يبدو ثم يختفى فى لمح الطرف .. ولا تعرف منه شيئًا على الإطلاق .. ونظرت إلى هيئتها وبزتها ، وقارنتها بالنساء الجالسات فى المطعم فإذا بها تبزهن جميعًا .. فهى آنق مظهراً .. وأحلى شكلا .. وأنضر وجهًا ..

ورجعت أذكرها وهى فى ثوبها الأبيض البسيط فى الفندق كفتاة ريفية ساذجة يبدو لك من مظهرها أنها لا تعرف من شئون الحياة شيئًا .. وأدركنى العجب ..

وغافلتها وهى تحادث صاحبها ، وانسللت إلى الخارج ..

***

وعدت من بعض المراقص إلى الفندق ، فوجدتها جالسة فى غرفتى منكبة على المكتب تكتب رسالة ..! ورفعت وجهها لما شعرت بى .. وتوقفت عن الكتابة ونظرت إلىّ وهى باسمة .. ثم عادت تكتب ، وبعد دقيقتين طوت الرسالة وغلفتها وقالت :

ـ إننى اكتب رسالة إلى صديقة عزيزة فى بلغراد .. هل رأيت ذلك العجوز الذى كان معى الليلة فى المطعم ..؟ إنه عمى ..! جاء أمس من بلغراد ، وحدثنى عن مرض كاتوشنكا العزيزة ، فجلست أكتب إليها هذه الرسالة فى الحال .. إنها من أعز صديقاتى وقد طردنا الحمر معًا ، وكنا نعمل سويًا فى بودابست ، ثم طوحت بنا الأقدار .. ومازالت انحط حتى وصلت بى الدرجة إلى العمل فى هذا الفندق ..! هل تتصور أننى سأترك هذا اليهودى يحاسبك على هواه .. ويقدم إليك الكشوف فى آخر الشهر كأنك مهراجا من الهند .. كل شرقى عند هذا الرجل الجشع مهراجا .. لا .. أنت طالب مسكين يا شوقى ، عندما يجئ ديمترى ويدفع لك بهذه الأوراق ألقها فى هذه السلة .. سأحضر الحساب ، فلا تسل عن ذلك اليهودى يا شوقى ..!

وكانت تتكلم بسرعة كأنها تتلو من ورقة أمامها .. ثم كفت عن الكلام .. ونظرت إليها فإذا بها ساهمة كأنها تفكر .. ولأول مرة أشاهد كاترينا تفكر فإن رأسها الصغير الجميل لا يتسع للتفكير ..

وطوقتها بذراعى وقلت لها :

ـ هل نذهب غدًا إلى إيفوريا ..؟

ـ أجل .. ولكن ليس إلى إيفوريا .. أو كارمن سلفيا .. أو مامايا .. سنذهب بعيدًا بعيدًا عن كل هذه البلاد ..

وكانت تحلم ، وما أعذب الأحلام فى رأس فتاة فى مثل سنها وجمالها .. وضممتها إلى صدرى فسكنت واستراحت ، وأغمضت عينيها نصف إغماضة ، ثم انتفضت فجأة واعتدلت فى جلستها وصاحت ..

ـ ما هذا الجنون ..! أنت تعرف أننى عذراء .. أنت مروع ..!

***

وسافرت من كونستنزا إلى مدينة صغيرة على الدانوب ، وعدت منها بقطار بوخارست السريع إلى الميناء مباشرة .. ولم أشأ الذهاب إلى الفندق مخافة أن ألتقى بكاترينا فتبقينى أياما أخر ..

ولما اقترب موعد السفر ، صعدت إلى ظهر السفينة ووقفت على الجسر أرقب حركة المسافرين والمودعين ، وقد علت وجهى تلك الكآبة التى تعلو الراحل عن بلاد يحبها .. بلاد قضى فيها أسعد أيامه وأمتع لياليه ، وكانت الشمس قد غربت .. وبدت تلك الميناء الصغيرة تتلألأ فى غبش الغسق .. وأخذت أستعرض فى ذهنى الصور الجميلة التى مرت علىّ فى تلك البلاد .. مناظر سينايا الخلابة .. وشواطئ الدانوب الساحرة .. وحسان بخارست .. وغانيات كارمن سلفيا .. وفاتنات ممايا .. وفندق بولونا .. وفندق الدانوب .. وكاترينا .. أجل كاترينا واتكأت على السور الحديدى .. وعينى إلى الأفق .. وكل شيء يمضى سريعًا .. ولمحت فتاة تهبط المنحدر المشرف على الميناء ، وكانت تمضى على عجل ، وبصرها لا يتحول عن السفينة .. وفتحت عينى وتبينتها فكانت كاترينا ..

وقفت لحظة حائرة .. ثم نقلت بصرها فى الركاب .. ولمحتنى فجرت على الرصيف حتى وقفت أمامى وهى تلهث .. فنظرت إليها مشدوها وسألتها :

ـ ما الذى جاء بك ..؟ وكيف عرفت أننى سأسافر اليوم ..؟

ـ هذا سهل ..! دعك من هذا الآن كيف حالك ..؟ شد ما تغيرت ونسيت كاترينا المسكينة التى لا يذكرها أحد ..!

ولم أستمع لباقى حديثها .. فقد درت ببصرى فى الركاب لأحصى عدد الذين جاءت تودعهم كاترينا .. فلابد أن يكون منهم من نزل فى فندق الدانوب والتقى بها ..!

ورأت نظراتى .. وقرأت ما دار بخلدى .. فامتقع لونها وغضت طرفها .. ثم رفعت رأسها وقالت .. وقد اختلجت نبرات صوتها :

ـ شوقى .. هل تحسب أننى جئت أودعك .. كلا .. أنت مروع ..! إننى جئت أرقب هذه السفينة وهى مقلعة وسائرة برهة فى الطريق الذى تسير فيه السفن إلى وطنى .. سأركب هذه السفينة يوما ما .. وأعود إلى وطنى ، وأرى بافلوفنا .. وسونيا .. وأولجا مرة أخرى .. إننى أجيء إلى هنا كل أسبوع وأرقب السفن وهى مبحرة .. وأتخيل أن ذلك اليوم سيأتى ولابد أن يأتى .. فلا تحسبنى أننى جئت أودع الصعاليك أمثالك ..!

فاستغرقت فى الضحك :

ـ لا تقولى هذا يا كاترينا .. إننى مسافر اليوم وسأعود غدا لأراك ، ولابد أن نلتقى ثانية ..

ـ حقا ..؟

ـ أجل .. لابد وأن أعود فى العام المقبل ، وكل عام بعده ، لأرى كاترينا ..

ـ والآن أسكت واقترب .. أرأيت ..؟ إننا لا نستطيع أن نتصافح ، إنتظر لابد من ذلك ..

واحمرَ وجهها ولمعت عيناها .. وظهرت فى أبدع ما كونها الله .. وقد اختلجت شفتاها .. وتهدل شعرها .. ورف لونها .. وتورد خداها .. وعلت أنفاسها .. ومالت برأسها إلى الوراء .. وارتفعت بجسمها قليلا .. وانحنيت عليها .. والتقت يدانا وتصافحت أنفاسنا ..

ودوى صفير الباخرة .. وتراجعت كاترينا .. ووقفت جامدة كالتمثال وعيناها مخضلتان بمثل الدمع ..

وشيعتها ببصرى وهى تصعد المنحدر الذى جاءت منه ، ولكنها لم تكن تمضى مسرعة .. بل كانت تسير على مهل كاسفة البال حزينة .. كأنها استفاقت من حلم ..

========================

نشرت القصة فى مجلة الرسالة بالعدد 398 بتاريخ 17/2/1941 وأعيد نشرها فى كتاب " فندق الدانوب " سنة 1941

========================

سائق القطار


سائق القطار


ـ تشرب ..؟
ـ لا .. وأشكرك ..
فانحنى مساعد السائق ، ووضع القلة الفخارية المفحمة فى ركن من القاطرة ، وانتصب وهو يمسح بيده الماء السائل من جانبى فمه ، وتحول إلى النافذة وقال بعد أن لمح نور إحدى القرى :
ـ الفكرية ..؟
ـ آه ... ...
ـ ... ... ...
ـ فحم ... ...
ففتح المساعد باب الفرن المستدير ، ورمق النار وهى تتضرم وتلتهب ، وطالعه وهجها وسعيره ، فارتد عنها وأمسك بمجراف الفحم ، وقوس ظهره وغيب طرف المجراف فى المخزن .. ثم استدار وتقدم خطوة وعينه على الباب .. ورمى النار بالوقود .. فخمدت جذوتها وتلوت ودخنت .. ثم شبت وامتدت السنتها على الحديد والتصقت بجدران الفرن .. ودارت على جوانبها وسقفها .. وزادها تيار الهواء ضراما وسعيرا ..
ورمى المساعد النار بمجراف آخر ، ثم راقبها لحظة ، وكأنه شعر بحاجتها إلى المزيد فرماها بمجرافين معًا ، وضم الباب بيده ، ونصب قامته ويده على مقبض المجراف ، وطرف كمه الممزق يمسح العرق المتصبب الملوث بغبار الفحم وقطرات الزيت ، ونزلت يده على جنبه وتنفس ، وقال فى صوت هادئ تشوبه بعض المرارة :
ـ كل شيء تغير فى هذه الدنيا بعد الحرب .. حتى الفحم ..
فسأل السائق ، وعينه على الطريق ، وظهره إلى مساعده :
ـ لماذا ..؟
فقال المساعد فى حماسة غير منتظرة ، وهو ثرثار ضامر ناحل الجسم معروق :
ـ كان الفحم قوالب ضخمة .. كارديف .. وكان القالب الواحد يسير قاطرة بأسرها .. كنا ننزل القالب فى حوض الورشة ونضربه ضربتين على يافوخه ، ومثلها على جنبه ، فيتهشم ويتناثر ، فننضحه بالماء ، وندفع منه المجرافين أو الثلاثة فى النار وننام على حسه ..!! أما الآن فهذا الفحم كعيدان الذرة لا خير فيه ..
فتحول إليه السائق بجانب وجهه ، وبصره لا يزال عالقًا بالقضيب ، وقال باسما فى خبث :
ـ تعبت ..؟!
ـ تعبت ..!! لا يزال نور المنيا باديا .. رحم الله أيام الشباب كنا نعمل فى الورشة أكثر من عشر ساعات وقوفا على الأقدام ولا نفكر حتى فى الطعام .. كان أحسن الله إليه ..
وحبس سيل الكلام بعد ان بصر بالسائق يتراجع إلى الوراء ويرقب البخار .. وسأله :
ـ 59 ..؟
ـ 8 ..
ثم نسى ما كان فيه من حديث وأمسك " بالأسطبة " وأخذ يلمع جوانب الفرن وعجز الآلة الضخمة ، ويزيل الزيت اللاصق بالحديد والنحاس ، والأنابيب الصفراء الملتوية والمعدنية الدقيقة ، ولما وصل إلى محبس البخار بدا له أن ينفس عنه قليلا ففعل .. وهب البخار القوى من بوق القاطرة وهو يئز وينش ، وطار مع التيار ، ولما قفل المساعد المحبس ثانية ، رضت أصابعه بعض المفاتيح الصغيرة ، فعبس وكشر ، وصمت محنقا ، وكان صمته منتهى ما يرجوه السائق ..!
وكان السائق واقفا عند نافذة القطار الزجاجية الصغيرة يرقب الطريق ، وهو يدخن ، وكان يتحول عن موقفه من حين إلى حين ليلمح الساعة وضاغط الهواء ، ودرجة البخار ومقياس الطريق ، ثم يعود إلى مكانه عند النافذة ، ويده فى سرواله الأزرق ، وسترته تنحسر عن صدره العريض القوى البارز ، وعلى كتفه وفى طرف كمه الزيت الملوث بالفحم المنضوح .
وكان فى وقفته ساكن الملامح هادئ النفس ، ثابت الجوارح ، راسخ القدم ، فعل الواثق من نفسه وعمله ، وكان لصلابة عضلاته ووثاقة تركيبه وقوة أعصابه أثر واضح فى ذلك ..
أما المساعد فقد مال بظهره على ركن القاطرة تحت مخزن الفحم ، بعد أن أشعل سيجارة من جمرة جذبها من الفرن ، وانطلق يدفع الدخان ويفكر ، ونظره لا يتحول عن السائق الواقف أمامه فى حلته الزرقاء ..
ولما مد السائق رجلا وثنى الأخرى وعينه مستقرة على الطريق ، انتصب المساعد وحدجه بطرفه ، وتحول إلى ظله الجارى على الأرض ، وأنعم فيه النظر فى سكون حتى بصر به ينسحب بعد لحظات ، فرفع وجهه ، وكان السائق قد انحنى عليه وفى فمه سيجارة جديدة فأخرج المساعد سيجارته من فمه وناولها إياه ، وقد تلاقت أعين الرجلين واختلطت أنفاسهما ، ونظر المساعد فى حدة إلى عينى صاحبه العميقتين السوداوين ذواتى البريق العجيب ، وإلى ملامح وجهه المعبرة القوية الساكنة ، وجبهته العريضة البارزة ووجهه الأبيض المستطيل .. وأحس بتضعضعه وخوره أمام قوة صاحبه وغلبته .. شعر أمام السائق بالعجز والضعف والونى ، فتحسر وتقبض ، ولما ارتد السائق إلى مكانه من النافذة أخذ المساعد يتفرس فيه ، ويقارن بين جسمه القوى المصوب ، وبين نفسه ، وهو الناحل الضامر المعروق ، وفتق هذا التأمل المستكن ذهنه حتى أخذ يستعرض فى مخيلته عمل كل منهما ، وشغله هذا التفكير حتى نسى أن ينفض عن السيجارة رمادها ، أو يمحو عن فمه ما ارتسم عليه من أسى مشوب بالحقد والحسد .. وانطلق يحدث نفسه :
ـ ما الذى يفعله هذا السائق .. يحرك القطار فى المحطة ثم يتركه بعد ذلك للأقدار .. ويمضى معظم الليل واضعا يده فى جيوبه يدخن .. ويتلهى بالنظر إلى الطريق ، وكل ما يعمله هو مراقبة عقرب الساعة ومقياس البخار والضغط والطريق .. وبعض الأحيان يتواضع ويمسح ما على الساعة من غشاوة ..!! ثم بعد هذا كله يلقى الأوامر .. غذ النار .. ند الفحم .. زيت الآلات .. أما أنا فأظل الليل طوله واقفا على باب جهنم أضرمها وأغذيها وأصلى بنارها ، وأمسح ما على الحديد من غبار وفحم وزيت ، حتى يلمع ويصقل ، وجسمى عليه ضعف قاذوراته .. وإذا وقف القطار فى المحطة نزلت تحت العجلات وانبطحت على الأرض لأزيت العدد الصغيرة والدوافع والجواذب ، وأمسح معدن الذراع ، فحتى هذا يجب أن يكون لامعا ..! وإذا ملأنا مخزن الماء طوقت الخرطوم بذراعى ، ودفعته عن الخزان بجسمى فيصيبنى هاطله ، ويزيدنى بلاء على بلائي .. هذا هو عملى وعمله ، ومع هذا فأجره ضعف أجرى ويزيد ، وأوقات فراغى وراحتى ليست كأوقات فراغه وراحته .. وامرأته عاقر وامرأتى تجئ فى كل عام بمولود سعيد ..! وأولادى من فرط الطوى ضامرون مهزولون يترقبون الصيب من السماء ليربوا ويكتنزوا ويملأوا البطون بالطعام ، والسماء لا تجيب ..! وهو فارع قوى مفتول يفور جسمه بحرارة الشباب ، وأنا قمئ ناحل معروق تقوست قناتى ، وشابت شياتى ، وأضحت جلدتى .. تتخدد .. والحياة تقبل عليه بوجهها وتدبر عنى .. ومن يدرى ..؟ ربما كان لقوته وسطوته سبب فى ذلك ، فما تحط الحياة إلا على أمثالنا من الضعاف المرضى المناكيد ، وما كنا مناكيد إلا لأننا مرضى ، ولو كنا أقوياء مثله لخافت بأسنا ، واتقت شرنا ، وأحنت لنا الرأس فسرنا فى مسالكها شامخين ..
ـ فحم ..
فاستفاق المساعد من خواطره على صوت السائق الرنان ، وفتح باب الفرن ، وأقبل على النار يغذيها بالوقود ، وهو صامت صابر ..
***
عندما جاز القطار محطة ملوى كان الليل قد انتصف واعتدل الجو ، وهب النسيم العليل من جنبات الوادى الخصيب ، فأثر هذا الجو الرخى المنعش على خواطر المساعد ، فخفف حسده على صاحبه وزالت نقمته عليه ، ووقف ينصت لدوى القطار وهو ينهب الأرض ويطوى القرى والدساكر .. وقد خيم عليها النخيل وطواها الظلام فى جوفه حتى بدت صامتة موحشة رهيبة ، ثم بارح مكانه وأخذ يجرف بعض الفحم من المخزن ويهيئه على عتبته للنار ، وبعد أن فرغ من ذلك أشعل سيجارة ونظر إلى السائق وود لو يحادثه ، يثرثر معه فى أى موضوع ، ويتكلم عن أى شيء ، دون أن يكون لكلامه وقع أو غرض أو غاية ، فما كان يعنيه هذا ، وإنما حسبه أن يتكلم لأن الصمت يمله ويضجره ، ويأخذ بمخنقه ويثير أعصابه ..
وفتح فمه ثم أطبقه ، وكان يعرف أن السائق قليل الكلام طويل الصمت .. وتنحنح وسعل وأطل من النافذة فطن فى أذنيه التيار الشديد ، وسفى فى وجهه الغبار وجرى عليه دخان الفحم ، وسمع صفير قطار من بعيد ، فبقى فى مكانه ليحيى سائقه إن أمكن ..! ومر قطار البضاعة يجلجل على القضبان ..
فقال المساعد وكأنما انبعث صوته من أعماق هاوية سحيقة :
ـ 367 ..؟
ـ نعم ..
ـ من الأقصر ..؟
ـ آه .. وخزن فى أسيوط ..
ـ توفيق شاكر ..؟
فهز السائق رأسه موافقًا ، وصمت المساعد لحظة كأنما يستعرض فى ذهنه صورًا باهتة يحاول بروزها ووضوحها ، وغير من نبرات صوته وهو يقول :
ـ كان سائقاً للقطار 72 .. أنزلوه .. بعض الأحيان تتحكم الأقدار ..

فلم يقل السائق شيئًا وأخذ يتمثل فى مخيلته صورة حادث توفيق كما سمعه من رفاقه .. ثم وضع يده على جبينه يتفرس فى الطريق ، يستشف الحجب ، ما وراء الغيب ، ما فى بطن الأقدار ..
فقال المساعد وقد طاب له أن يجد ما يتحدث فيه :
ـ كان خارجًا من ورشة سوهاج .. ليوصل القطار إلى الأقصر كانت السرعة أكثر من اللازم ، وكان العامل يتخطى القضبان .. توفيق نفسه لا يدرى كيف مات الرجل .. شهد عليه عامل " البلوك " واثنان من الخفراء ..
فقال السائق وقد حز فى نفسه الأسى على صاحبه :
ـ سئ الحظ .. وكان عليه أن يحاذر ..
فقال المساعد بصوت وان :
ـ يولد كثير من الناس ليموتوا تحت العجلات .. فما الذى يدفعه الحذر ، والسائق ، والكشاف ونور الكشاف ..؟ مرت على المرء كثير من الحوادث العجيبة التى تبعث على الدهشة والتفكير العميق ..
كنا قد بعدنا عن ديروط وفلاح مسكين ، على جمله ، ينتظر مرور القطار ، ومر القطار وفزع الجمل ، ورمى الرجل تحت العجلات .. قد يكون مر على هذا الجمل مائة قطار وهو ساكن ثابت ، ولكنه جفل فى هذه المرة لسبب لا نفهمه ..
فقال السائق وقد بدت على وجهه البشاشة :
ـ ولكن إذا كان الفـلاح قد رد الجمـل عن حديد الممر وبعد به عن الشريط أكان يموت ..؟
ـ كان لا يستطيع فى تلك الساعة أن يفعل ذلك .. كان لابد أن يموت فمات ..
ومر القطار على حقل كبير من القطن وقد تفتح ونور ، فتحول المساعد إلى الحقل ، وراقب السائق مقياس الطريق لحظات ، ثم أدار المحرك إلى اليسار قليلاً ، فقد بدأ الوادى ينحنى والشريط يدور ، وكان يعرف هذه الطريق أكثر من موضع أنفه من وجهه ، وهدأت حركة الآلآت نوعًا ، ثم أرجع المحرك إلى مكانه بعد ثوان ، وارتد عن النافذة ووقف أمام الفرن ، وطرفه على الساعة والمقياس ، واستمر هكذا مدة ، ثم أدار المحرك إلى اليسار مرة أخرى فى شدة حتى تعدى الكثير من الدرجات ، فقد وصل القطار إلى طريق مرمم واهن لا تزال تجرى عليه أيدى العمال فى النهار .. ودار بخلده أن أحد العمال قد يكون ترك سهوا بعض الأدوات الحديدية على الشريط ، فمد بصره إلى نهاية نور الكشاف ، وثبت نظره على حديد القضبان .. وفكر فى نفسه أنه بعد نصف ساعة وستمائة ثانية سيدخل محطة أسيوط ، وسره هذا كما سره خروجه منتصرًا من الطريق المرمم .. وبعد أن لمح المقياس أدار المحرك بالتدريج إلى اليمين ، إلى نهاية ما تتحمله أرض النيل السعيد ..! وكان يود أن يعوض بتلك السرعة الجارفة ما قضاه وهو سائر ببطء على الطريق الواهن .. وانطلق القطار كالسهم يطوى القرى ويزلزل تحته الأرض ..
وقال المساعد :
ـ النيل عال .. وشديد ..
فقال السائق وقد تحول بوجهه إلى النيل فرأى بعض المراكب الشراعية تسير مغالبة التيار :
ـ أتخاف أن تتقطع الجسور ..؟
ـ لا .. جسور القطارات هى آخر ما يصيبه الأذى دائمًا ..
وبقى نظر السائق ثابتًا على النيل ، وقد راقه هول الليل عند الأفق البعيد ..
وأطل المساعد من النافذة وبصره على الأرض الجارية .. وخيم صمت عميق ..
وقال المساعد بعد دقائق بصوت يرتعش :
ـ رجل ..!
ـ ماذا ..؟
ـ رجل تحت .. ال ..
فتلفت السائق فى سرعة البرق حيث أشار مساعده فرأى شبه شبح يضطرب فى غمرة الليل .. فصفر وألقى الشبكة وأدار المحرك إلى اليسار فى حذر شديد .. وكان قد فوجئ بالأمر فاضطرب جسمه قليلاً وجاشت نفسه .. ثم حبس البخار .. وأحس بعد مدة بضغط الفرامل وجلجلة العدد .. وقد أجبرت على البطء على غير انتظار .. ووقف وروحه تثور .. ونفسه حانقة ساخطة .. كان يود أن يدخل محطة أسيوط فى الساعة الواحدة والدقيقة الرابعة والعشرين .. منذ خمس سنوات لم يتأخر فى حياته مرة .. مرة واحدة .. كان دائما يحاذى الرصيف وعقرب الثوانى على الستين .. كم كان يشعر بالفخر والزهو والشموخ والتعالى على الإخوان ، كم كان يشعر بالزهو والفخر وهو المعروف بأنه المسيطر على الحديد والنار .. كان إذا تأخر فى أثناء الطريق يغذى النار ويدفع البخار ويجهد العدد ليدخل المحطة فى ميعاده .. ولكنه الآن سيتأخر .. لأول مرة فى حياته كسائق سيتأخر .. سيتأخر .. لا دقيقة ولا دقيقتين ولا ثلاثًا .. بل أكثر من ذلك ، شعر بنفسه تذوب حسرات .. أحس بالآلات تئن وتتوجع وتدق كالطبول .. كانت ضربات الضاغط والدوافع وسحبات الذراع ورجعات " البستون" .. تدوى فى أذنيه كالطاحون البالية ، كالمدافع المنطلقة على غير هدى فى وادى التيه .. أحس بدمه يفور .. وروحه تثور .. حتى عقدت جبينه السحب .. ولكن يده القوية كانت لا تزال على المحرك ، والقطار يحبس نفسه ويغالب قوة دفعه .. أى مأفون هذا الرجل الذى عبر الشريط هكذا وألقى بنفسه إلى التهلكة ..؟ وتصور الرجل وقد تمزق وطارت أشلاؤه .. وطحنته العجلات .. وجرى دمه مع الزيت .. فتفطر قلبه على الرجل المسكين .. ووقف تتملكه أعصابه الحديدية صامتًا .. حتى أحس بعد مدة بالآلات تجلجل وتطبل .. والبخار ينش ويئز .. والذراع يغلب ويجاهد .. ويطوح بنفسه فى ثقل ثم يدركه الونى فيحتضر ..
ونزل السائق ودار حول مقدمة القاطرة ، ثم انحنى ودخل تحتها يفحص العدد الصغيرة والآلات المحركة ، وخرج بعد دقائق ووجهه ينضح عرقاً ، وعلى معارف وجهه الساكنة آيات الهدوء المطلق ، ورآه مساعده وهو يستقيم بظهره القوى عن العجلات الأمامية ، ثم يتراجع خطوتين إلى الوراء ويتقدم تجاهه ، وهو يضرب بقدميه الزلط الملقى بجانب الشريط ، وكان لصوت قدميه دوى مسموع فى الليل الساكن .. وتوقف المساعد عن مسح عمود الذراع وقبض براحته على " الأسطبة " الملوثة بالزيت القذر ، وقال وهو يميل بوجهه إلى حيث صاحبه :
ـ لاشيء ..؟
ـ لا شيء فى العجلات الأمامية ، وإنما أثر الدم واضح فى التروس الخلفية التى أخذ عندها الرجل ، على أن العدد سليمة ولا أثر للحم ولا عظام ..
فصمت المساعد كأنه يفكر .. ثم استأنف عمله وكان المشعل الصغير الذى فى يسراه ينتفض ويخبو ويشتعل ، ويميل لسان اللهب يمنة ويسرة تبعًا لهبات الرياح .. وكان الزيت قد امتزج بعرقه الهاطل وسال من يده على ساعده ، ولوث الكثير من جسمه ، فمسح الزيت فى سرواله ، بعد أن رمى الأسطبة على الأرض ، ودارت يده حول ذقنه ورفع المشعل إلى ما فوق رأسه ، واستدار ومد بصره ، وكان الكثير من الركاب يطلون من النوافذ ، ووجوههم إلى الخلف ، وظلهم للواقف منهم على الأبواب واضح على الأرض ، وعامل العربة الخلفية يتحدث مع " الكمسارى " وحولهما بعض الناس ..
واعتمد السائق على حديد النافذة وأخذ يدخن ونظره مسدد إلى الوراء حتى رأى عامل الإشارة يلوح برأيته ، فقال لمساعده :
ـ اطلع ..
فطلع المساعد إلى القاطرة ، ووضع المزيتة جانبًا ، وبعد السائق عن النافذة الخلفية ووقف أمام الآلة يحدق فى الساعة ثم مد يده وأدار المحرك إلى اليمين قليلاً فتحركت العجلات الأربع الأمامية الصغيرة فى بطء وثقل شديد ، ودارت العجلات الأربع الكبيرة التى خلفها على الفارغ ، ارتفعت عن القضبان ودارت على الفارغ فى سرعة وجنون .. وزفر القطار ، وأز البخار ونش ، وشال الذراع وحط ، وتحركت العجلات الأمامية ، ولامست العجلات التى خلفها القضبان ، وشال الذراع وحط وتقدم القطار وهو يئن ويتوجع وينوح ، وتقدم القطار فى بطء وحزن من غير صفير ..!
==========================
نشرت القصة فى مجلة الرسالة بالعدد 178 بتاريخ 30/11/1936 وأعيد نشرها فى كتاب " فندق الدانوب " سنة 1941
=========================


سائق القطار


سائق القطار


ـ تشرب ..؟
ـ لا .. وأشكرك ..
فانحنى مساعد السائق ، ووضع القلة الفخارية المفحمة فى ركن من القاطرة ، وانتصب وهو يمسح بيده الماء السائل من جانبى فمه ، وتحول إلى النافذة وقال بعد أن لمح نور إحدى القرى :
ـ الفكرية ..؟
ـ آه ... ...
ـ ... ... ...
ـ فحم ... ...
ففتح المساعد باب الفرن المستدير ، ورمق النار وهى تتضرم وتلتهب ، وطالعه وهجها وسعيره ، فارتد عنها وأمسك بمجراف الفحم ، وقوس ظهره وغيب طرف المجراف فى المخزن .. ثم استدار وتقدم خطوة وعينه على الباب .. ورمى النار بالوقود .. فخمدت جذوتها وتلوت ودخنت .. ثم شبت وامتدت السنتها على الحديد والتصقت بجدران الفرن .. ودارت على جوانبها وسقفها .. وزادها تيار الهواء ضراما وسعيرا ..
ورمى المساعد النار بمجراف آخر ، ثم راقبها لحظة ، وكأنه شعر بحاجتها إلى المزيد فرماها بمجرافين معًا ، وضم الباب بيده ، ونصب قامته ويده على مقبض المجراف ، وطرف كمه الممزق يمسح العرق المتصبب الملوث بغبار الفحم وقطرات الزيت ، ونزلت يده على جنبه وتنفس ، وقال فى صوت هادئ تشوبه بعض المرارة :
ـ كل شيء تغير فى هذه الدنيا بعد الحرب .. حتى الفحم ..
فسأل السائق ، وعينه على الطريق ، وظهره إلى مساعده :
ـ لماذا ..؟
فقال المساعد فى حماسة غير منتظرة ، وهو ثرثار ضامر ناحل الجسم معروق :
ـ كان الفحم قوالب ضخمة .. كارديف .. وكان القالب الواحد يسير قاطرة بأسرها .. كنا ننزل القالب فى حوض الورشة ونضربه ضربتين على يافوخه ، ومثلها على جنبه ، فيتهشم ويتناثر ، فننضحه بالماء ، وندفع منه المجرافين أو الثلاثة فى النار وننام على حسه ..!! أما الآن فهذا الفحم كعيدان الذرة لا خير فيه ..
فتحول إليه السائق بجانب وجهه ، وبصره لا يزال عالقًا بالقضيب ، وقال باسما فى خبث :
ـ تعبت ..؟!
ـ تعبت ..!! لا يزال نور المنيا باديا .. رحم الله أيام الشباب كنا نعمل فى الورشة أكثر من عشر ساعات وقوفا على الأقدام ولا نفكر حتى فى الطعام .. كان أحسن الله إليه ..
وحبس سيل الكلام بعد ان بصر بالسائق يتراجع إلى الوراء ويرقب البخار .. وسأله :
ـ 59 ..؟
ـ 8 ..
ثم نسى ما كان فيه من حديث وأمسك " بالأسطبة " وأخذ يلمع جوانب الفرن وعجز الآلة الضخمة ، ويزيل الزيت اللاصق بالحديد والنحاس ، والأنابيب الصفراء الملتوية والمعدنية الدقيقة ، ولما وصل إلى محبس البخار بدا له أن ينفس عنه قليلا ففعل .. وهب البخار القوى من بوق القاطرة وهو يئز وينش ، وطار مع التيار ، ولما قفل المساعد المحبس ثانية ، رضت أصابعه بعض المفاتيح الصغيرة ، فعبس وكشر ، وصمت محنقا ، وكان صمته منتهى ما يرجوه السائق ..!
وكان السائق واقفا عند نافذة القطار الزجاجية الصغيرة يرقب الطريق ، وهو يدخن ، وكان يتحول عن موقفه من حين إلى حين ليلمح الساعة وضاغط الهواء ، ودرجة البخار ومقياس الطريق ، ثم يعود إلى مكانه عند النافذة ، ويده فى سرواله الأزرق ، وسترته تنحسر عن صدره العريض القوى البارز ، وعلى كتفه وفى طرف كمه الزيت الملوث بالفحم المنضوح .
وكان فى وقفته ساكن الملامح هادئ النفس ، ثابت الجوارح ، راسخ القدم ، فعل الواثق من نفسه وعمله ، وكان لصلابة عضلاته ووثاقة تركيبه وقوة أعصابه أثر واضح فى ذلك ..
أما المساعد فقد مال بظهره على ركن القاطرة تحت مخزن الفحم ، بعد أن أشعل سيجارة من جمرة جذبها من الفرن ، وانطلق يدفع الدخان ويفكر ، ونظره لا يتحول عن السائق الواقف أمامه فى حلته الزرقاء ..
ولما مد السائق رجلا وثنى الأخرى وعينه مستقرة على الطريق ، انتصب المساعد وحدجه بطرفه ، وتحول إلى ظله الجارى على الأرض ، وأنعم فيه النظر فى سكون حتى بصر به ينسحب بعد لحظات ، فرفع وجهه ، وكان السائق قد انحنى عليه وفى فمه سيجارة جديدة فأخرج المساعد سيجارته من فمه وناولها إياه ، وقد تلاقت أعين الرجلين واختلطت أنفاسهما ، ونظر المساعد فى حدة إلى عينى صاحبه العميقتين السوداوين ذواتى البريق العجيب ، وإلى ملامح وجهه المعبرة القوية الساكنة ، وجبهته العريضة البارزة ووجهه الأبيض المستطيل .. وأحس بتضعضعه وخوره أمام قوة صاحبه وغلبته .. شعر أمام السائق بالعجز والضعف والونى ، فتحسر وتقبض ، ولما ارتد السائق إلى مكانه من النافذة أخذ المساعد يتفرس فيه ، ويقارن بين جسمه القوى المصوب ، وبين نفسه ، وهو الناحل الضامر المعروق ، وفتق هذا التأمل المستكن ذهنه حتى أخذ يستعرض فى مخيلته عمل كل منهما ، وشغله هذا التفكير حتى نسى أن ينفض عن السيجارة رمادها ، أو يمحو عن فمه ما ارتسم عليه من أسى مشوب بالحقد والحسد .. وانطلق يحدث نفسه :
ـ ما الذى يفعله هذا السائق .. يحرك القطار فى المحطة ثم يتركه بعد ذلك للأقدار .. ويمضى معظم الليل واضعا يده فى جيوبه يدخن .. ويتلهى بالنظر إلى الطريق ، وكل ما يعمله هو مراقبة عقرب الساعة ومقياس البخار والضغط والطريق .. وبعض الأحيان يتواضع ويمسح ما على الساعة من غشاوة ..!! ثم بعد هذا كله يلقى الأوامر .. غذ النار .. ند الفحم .. زيت الآلات .. أما أنا فأظل الليل طوله واقفا على باب جهنم أضرمها وأغذيها وأصلى بنارها ، وأمسح ما على الحديد من غبار وفحم وزيت ، حتى يلمع ويصقل ، وجسمى عليه ضعف قاذوراته .. وإذا وقف القطار فى المحطة نزلت تحت العجلات وانبطحت على الأرض لأزيت العدد الصغيرة والدوافع والجواذب ، وأمسح معدن الذراع ، فحتى هذا يجب أن يكون لامعا ..! وإذا ملأنا مخزن الماء طوقت الخرطوم بذراعى ، ودفعته عن الخزان بجسمى فيصيبنى هاطله ، ويزيدنى بلاء على بلائي .. هذا هو عملى وعمله ، ومع هذا فأجره ضعف أجرى ويزيد ، وأوقات فراغى وراحتى ليست كأوقات فراغه وراحته .. وامرأته عاقر وامرأتى تجئ فى كل عام بمولود سعيد ..! وأولادى من فرط الطوى ضامرون مهزولون يترقبون الصيب من السماء ليربوا ويكتنزوا ويملأوا البطون بالطعام ، والسماء لا تجيب ..! وهو فارع قوى مفتول يفور جسمه بحرارة الشباب ، وأنا قمئ ناحل معروق تقوست قناتى ، وشابت شياتى ، وأضحت جلدتى .. تتخدد .. والحياة تقبل عليه بوجهها وتدبر عنى .. ومن يدرى ..؟ ربما كان لقوته وسطوته سبب فى ذلك ، فما تحط الحياة إلا على أمثالنا من الضعاف المرضى المناكيد ، وما كنا مناكيد إلا لأننا مرضى ، ولو كنا أقوياء مثله لخافت بأسنا ، واتقت شرنا ، وأحنت لنا الرأس فسرنا فى مسالكها شامخين ..
ـ فحم ..
فاستفاق المساعد من خواطره على صوت السائق الرنان ، وفتح باب الفرن ، وأقبل على النار يغذيها بالوقود ، وهو صامت صابر ..
***
عندما جاز القطار محطة ملوى كان الليل قد انتصف واعتدل الجو ، وهب النسيم العليل من جنبات الوادى الخصيب ، فأثر هذا الجو الرخى المنعش على خواطر المساعد ، فخفف حسده على صاحبه وزالت نقمته عليه ، ووقف ينصت لدوى القطار وهو ينهب الأرض ويطوى القرى والدساكر .. وقد خيم عليها النخيل وطواها الظلام فى جوفه حتى بدت صامتة موحشة رهيبة ، ثم بارح مكانه وأخذ يجرف بعض الفحم من المخزن ويهيئه على عتبته للنار ، وبعد أن فرغ من ذلك أشعل سيجارة ونظر إلى السائق وود لو يحادثه ، يثرثر معه فى أى موضوع ، ويتكلم عن أى شيء ، دون أن يكون لكلامه وقع أو غرض أو غاية ، فما كان يعنيه هذا ، وإنما حسبه أن يتكلم لأن الصمت يمله ويضجره ، ويأخذ بمخنقه ويثير أعصابه ..
وفتح فمه ثم أطبقه ، وكان يعرف أن السائق قليل الكلام طويل الصمت .. وتنحنح وسعل وأطل من النافذة فطن فى أذنيه التيار الشديد ، وسفى فى وجهه الغبار وجرى عليه دخان الفحم ، وسمع صفير قطار من بعيد ، فبقى فى مكانه ليحيى سائقه إن أمكن ..! ومر قطار البضاعة يجلجل على القضبان ..
فقال المساعد وكأنما انبعث صوته من أعماق هاوية سحيقة :
ـ 367 ..؟
ـ نعم ..
ـ من الأقصر ..؟
ـ آه .. وخزن فى أسيوط ..
ـ توفيق شاكر ..؟
فهز السائق رأسه موافقًا ، وصمت المساعد لحظة كأنما يستعرض فى ذهنه صورًا باهتة يحاول بروزها ووضوحها ، وغير من نبرات صوته وهو يقول :
ـ كان سائقاً للقطار 72 .. أنزلوه .. بعض الأحيان تتحكم الأقدار ..

فلم يقل السائق شيئًا وأخذ يتمثل فى مخيلته صورة حادث توفيق كما سمعه من رفاقه .. ثم وضع يده على جبينه يتفرس فى الطريق ، يستشف الحجب ، ما وراء الغيب ، ما فى بطن الأقدار ..
فقال المساعد وقد طاب له أن يجد ما يتحدث فيه :
ـ كان خارجًا من ورشة سوهاج .. ليوصل القطار إلى الأقصر كانت السرعة أكثر من اللازم ، وكان العامل يتخطى القضبان .. توفيق نفسه لا يدرى كيف مات الرجل .. شهد عليه عامل " البلوك " واثنان من الخفراء ..
فقال السائق وقد حز فى نفسه الأسى على صاحبه :
ـ سئ الحظ .. وكان عليه أن يحاذر ..
فقال المساعد بصوت وان :
ـ يولد كثير من الناس ليموتوا تحت العجلات .. فما الذى يدفعه الحذر ، والسائق ، والكشاف ونور الكشاف ..؟ مرت على المرء كثير من الحوادث العجيبة التى تبعث على الدهشة والتفكير العميق ..
كنا قد بعدنا عن ديروط وفلاح مسكين ، على جمله ، ينتظر مرور القطار ، ومر القطار وفزع الجمل ، ورمى الرجل تحت العجلات .. قد يكون مر على هذا الجمل مائة قطار وهو ساكن ثابت ، ولكنه جفل فى هذه المرة لسبب لا نفهمه ..
فقال السائق وقد بدت على وجهه البشاشة :
ـ ولكن إذا كان الفـلاح قد رد الجمـل عن حديد الممر وبعد به عن الشريط أكان يموت ..؟
ـ كان لا يستطيع فى تلك الساعة أن يفعل ذلك .. كان لابد أن يموت فمات ..
ومر القطار على حقل كبير من القطن وقد تفتح ونور ، فتحول المساعد إلى الحقل ، وراقب السائق مقياس الطريق لحظات ، ثم أدار المحرك إلى اليسار قليلاً ، فقد بدأ الوادى ينحنى والشريط يدور ، وكان يعرف هذه الطريق أكثر من موضع أنفه من وجهه ، وهدأت حركة الآلآت نوعًا ، ثم أرجع المحرك إلى مكانه بعد ثوان ، وارتد عن النافذة ووقف أمام الفرن ، وطرفه على الساعة والمقياس ، واستمر هكذا مدة ، ثم أدار المحرك إلى اليسار مرة أخرى فى شدة حتى تعدى الكثير من الدرجات ، فقد وصل القطار إلى طريق مرمم واهن لا تزال تجرى عليه أيدى العمال فى النهار .. ودار بخلده أن أحد العمال قد يكون ترك سهوا بعض الأدوات الحديدية على الشريط ، فمد بصره إلى نهاية نور الكشاف ، وثبت نظره على حديد القضبان .. وفكر فى نفسه أنه بعد نصف ساعة وستمائة ثانية سيدخل محطة أسيوط ، وسره هذا كما سره خروجه منتصرًا من الطريق المرمم .. وبعد أن لمح المقياس أدار المحرك بالتدريج إلى اليمين ، إلى نهاية ما تتحمله أرض النيل السعيد ..! وكان يود أن يعوض بتلك السرعة الجارفة ما قضاه وهو سائر ببطء على الطريق الواهن .. وانطلق القطار كالسهم يطوى القرى ويزلزل تحته الأرض ..
وقال المساعد :
ـ النيل عال .. وشديد ..
فقال السائق وقد تحول بوجهه إلى النيل فرأى بعض المراكب الشراعية تسير مغالبة التيار :
ـ أتخاف أن تتقطع الجسور ..؟
ـ لا .. جسور القطارات هى آخر ما يصيبه الأذى دائمًا ..
وبقى نظر السائق ثابتًا على النيل ، وقد راقه هول الليل عند الأفق البعيد ..
وأطل المساعد من النافذة وبصره على الأرض الجارية .. وخيم صمت عميق ..
وقال المساعد بعد دقائق بصوت يرتعش :
ـ رجل ..!
ـ ماذا ..؟
ـ رجل تحت .. ال ..
فتلفت السائق فى سرعة البرق حيث أشار مساعده فرأى شبه شبح يضطرب فى غمرة الليل .. فصفر وألقى الشبكة وأدار المحرك إلى اليسار فى حذر شديد .. وكان قد فوجئ بالأمر فاضطرب جسمه قليلاً وجاشت نفسه .. ثم حبس البخار .. وأحس بعد مدة بضغط الفرامل وجلجلة العدد .. وقد أجبرت على البطء على غير انتظار .. ووقف وروحه تثور .. ونفسه حانقة ساخطة .. كان يود أن يدخل محطة أسيوط فى الساعة الواحدة والدقيقة الرابعة والعشرين .. منذ خمس سنوات لم يتأخر فى حياته مرة .. مرة واحدة .. كان دائما يحاذى الرصيف وعقرب الثوانى على الستين .. كم كان يشعر بالفخر والزهو والشموخ والتعالى على الإخوان ، كم كان يشعر بالزهو والفخر وهو المعروف بأنه المسيطر على الحديد والنار .. كان إذا تأخر فى أثناء الطريق يغذى النار ويدفع البخار ويجهد العدد ليدخل المحطة فى ميعاده .. ولكنه الآن سيتأخر .. لأول مرة فى حياته كسائق سيتأخر .. سيتأخر .. لا دقيقة ولا دقيقتين ولا ثلاثًا .. بل أكثر من ذلك ، شعر بنفسه تذوب حسرات .. أحس بالآلات تئن وتتوجع وتدق كالطبول .. كانت ضربات الضاغط والدوافع وسحبات الذراع ورجعات " البستون" .. تدوى فى أذنيه كالطاحون البالية ، كالمدافع المنطلقة على غير هدى فى وادى التيه .. أحس بدمه يفور .. وروحه تثور .. حتى عقدت جبينه السحب .. ولكن يده القوية كانت لا تزال على المحرك ، والقطار يحبس نفسه ويغالب قوة دفعه .. أى مأفون هذا الرجل الذى عبر الشريط هكذا وألقى بنفسه إلى التهلكة ..؟ وتصور الرجل وقد تمزق وطارت أشلاؤه .. وطحنته العجلات .. وجرى دمه مع الزيت .. فتفطر قلبه على الرجل المسكين .. ووقف تتملكه أعصابه الحديدية صامتًا .. حتى أحس بعد مدة بالآلات تجلجل وتطبل .. والبخار ينش ويئز .. والذراع يغلب ويجاهد .. ويطوح بنفسه فى ثقل ثم يدركه الونى فيحتضر ..
ونزل السائق ودار حول مقدمة القاطرة ، ثم انحنى ودخل تحتها يفحص العدد الصغيرة والآلات المحركة ، وخرج بعد دقائق ووجهه ينضح عرقاً ، وعلى معارف وجهه الساكنة آيات الهدوء المطلق ، ورآه مساعده وهو يستقيم بظهره القوى عن العجلات الأمامية ، ثم يتراجع خطوتين إلى الوراء ويتقدم تجاهه ، وهو يضرب بقدميه الزلط الملقى بجانب الشريط ، وكان لصوت قدميه دوى مسموع فى الليل الساكن .. وتوقف المساعد عن مسح عمود الذراع وقبض براحته على " الأسطبة " الملوثة بالزيت القذر ، وقال وهو يميل بوجهه إلى حيث صاحبه :
ـ لاشيء ..؟
ـ لا شيء فى العجلات الأمامية ، وإنما أثر الدم واضح فى التروس الخلفية التى أخذ عندها الرجل ، على أن العدد سليمة ولا أثر للحم ولا عظام ..
فصمت المساعد كأنه يفكر .. ثم استأنف عمله وكان المشعل الصغير الذى فى يسراه ينتفض ويخبو ويشتعل ، ويميل لسان اللهب يمنة ويسرة تبعًا لهبات الرياح .. وكان الزيت قد امتزج بعرقه الهاطل وسال من يده على ساعده ، ولوث الكثير من جسمه ، فمسح الزيت فى سرواله ، بعد أن رمى الأسطبة على الأرض ، ودارت يده حول ذقنه ورفع المشعل إلى ما فوق رأسه ، واستدار ومد بصره ، وكان الكثير من الركاب يطلون من النوافذ ، ووجوههم إلى الخلف ، وظلهم للواقف منهم على الأبواب واضح على الأرض ، وعامل العربة الخلفية يتحدث مع " الكمسارى " وحولهما بعض الناس ..
واعتمد السائق على حديد النافذة وأخذ يدخن ونظره مسدد إلى الوراء حتى رأى عامل الإشارة يلوح برأيته ، فقال لمساعده :
ـ اطلع ..
فطلع المساعد إلى القاطرة ، ووضع المزيتة جانبًا ، وبعد السائق عن النافذة الخلفية ووقف أمام الآلة يحدق فى الساعة ثم مد يده وأدار المحرك إلى اليمين قليلاً فتحركت العجلات الأربع الأمامية الصغيرة فى بطء وثقل شديد ، ودارت العجلات الأربع الكبيرة التى خلفها على الفارغ ، ارتفعت عن القضبان ودارت على الفارغ فى سرعة وجنون .. وزفر القطار ، وأز البخار ونش ، وشال الذراع وحط ، وتحركت العجلات الأمامية ، ولامست العجلات التى خلفها القضبان ، وشال الذراع وحط وتقدم القطار وهو يئن ويتوجع وينوح ، وتقدم القطار فى بطء وحزن من غير صفير ..!
==========================
نشرت القصة فى مجلة الرسالة بالعدد 178 بتاريخ 30/11/1936 وأعيد نشرها فى كتاب " فندق الدانوب " سنة 1941
=========================


ليلة فى الحان

ليلة فى الحان



تعترينى فى كثير من الأحايين حالات نفسية أضيق فيها ذرعا بنفسى ، وأحس بثقل الحياة علىَّ ، أحس بالبيئة الخانقة المهلكة تأخذ بمخنقى وتكتم أنفاسى ، وأشعر بأنى سجين معذب يعانى آلاما لا حد ولا نهاية لها ..

تأخذ الدنيا الباسمة المشرقة تظلم فى عينيى ، ويستحوذ الضجر والقلق والنفور علىَّ ، وأحاول عبثا أن أعرف علة هذه الأحزان ، أحاول عبثًا أن أعرف الباعث الدقيق الخفى على هذه الأزمات الشديدة المضنية فلا أستطيع ولا أوفق ، ولا أزداد بعد البحث إلا غما وكربًا ..

فى هذه الأوقات العصيبة أشعر بحنين بالغ إلى التشرد ، أشعر بشوق ملح يحملنى على أن أتخطى القيود والموانع ، وأتحرر من الأغلال ، وأدوس بقدمى على التقاليد البالية ، فأبرح منزلى فى أى وقت من الليل ، حتى فى الساعات الأولى من الصباح ، وأجوس خلال الشوارع وأضرب بقدمى فى الأزقة الضيقة على غير هدى ولا دليل ولا قصد .. أرسل نفسى على سجيتها ، وأفتح صدرى لهواء الليل الساجى ، وأبعث بصرى فى قلب الظلام المخيم ، وأستأنس بالوحشة ، وأستريح إلى رهبة الليل وسكونه وهوله ، وأشعر بعد ذلك بالراحة التامة المطلقة ، أشعر بأنى غدوت حرًا طليقا يخرج بجسمه ونفسه وحسه عن الدائرة الضيقة المميتة ، ويحلق فى الفضاء الفسيح ..

أشعر بالسعادة العميقة تفيض على جوانحى ونفسى ، وأتقدم فى طرقات المدينة سعيدا جذلا طروبا ، ثم أخرج منها إلى أحضان الطبيعة وأتوغل فى أعماقها ، وأسير محاذياً للنيل ، وأعبر الكبارى والسدود وأجتاز الحدائق والبساتين ، وأنا ممتلئ نشاطا وقوة .. ثم أعود فى أخريات الليل إلى الشوارع الهادئة فى الأحياء الأفرنجية ، وأميل إلى حاناتها ، أغشى الحان الذى يروقنى لأريح جسمى ، وأهدئ من ثائرة جوفى بعد الرياضة الطويلة فى الخلاء ..

ألج أى حان من هذه الحانات الصغيرة التى تسدل على واجهاتها الستر الحريرية الزرقاء .. ويتعاقد فى سمائها دخان التبغ ، ويعبق جوها برائحة الكحول ، وأشعر فيها بأنى انتقلت عن هذا العالم الفانى بضوضائه وضجيجه وصخبه ، إلى حيث الهدوء التام ، والسكون الشامل إلى الحد الفاصل بين دار الأحياء والموتى أشعر بأنى قريب من الموتى من سكون الرمس ، حتى فى الساعات التى يرتفع فيها صوت السكارى وهم يتمايلون على الطاولة الرخامية ، ويرفعون عقائرهم بالغناء الصاخب ، راقصين ضاحكين مرحين ، حاسبين أن الدنيا بأسرها ترقص معهم وتغنى لغنائهم ، حتى فى الأوقات التى يفيض فيها هؤلاء المساكين بفنون الأحاديث ، ويتحدثون عن آلاهم وأحزانهم ، تحت تأثير عقلهم الباطن ، مع من يعرفون ومن لا يعرفون من الناس ، فى هذه الحانات الصغيرة تنمحى الحوائل والفوارق بين الناس ، ويشعر كل إنسان بأنه صديق حق لمن يجاوره ، فيحادثه ، ويكشف له عن مكنون صدره ودخيلة فؤاده .. أشعر فى هذه الأوقات شعورًا حقا بقيمة حياتى ، أشعر بأنى أعيش لنفسى ، بأنى وجدت فى هذه الحياة الدنيا لأنعم وأتمتع وألتذ بأطايبها وملذاتها إلى أقصى ما يتمتع به إنسان ، وأضحك مع الناس وأقهقه وأغنى ..

ودخلت حانًا من هذه الحانات الصغيرة فى ليلة من ليالى الشتاء ، وكان ضيقًا مستطيلا ونوره الأحمر خابيا كابيًا ، وهذا ، زاده فتنة فى ناظرى وسحرًا .. وكان خاليا تقريبًا إلا من بعض الشبان الفقراء .. جلسوا يحتسون الخمر فى ركن قصى منه .. وكان عند رخامة الحان الطويلة خمسة من الرجال من بينهم ثلاثة من ذوى الأسنان ، تعرف من هندامهم القذر ، وشعرهم المرسل على جباههم ، وعيونهم الحمراء الدامية ، أنهم غارقون فى الشراب إلى الأذقان ، وكان أقرب الجالسين إلىَّ شاب يرافق فتاة صفراء نحيلة من الفرنجة عليها طابع الهم والشقاء ، ويعلو وجهها ظل الموت الزاحف ، وكانت هى الفتاة الوحيدة فى الحان إذا استثنينا تلك الفتاة السمراء القصيرة الجالسة على الباب ، مستقبلة الداخلين ومشيعة الخارجين بابتسامة لا معنى لها ..

جلست فى ركن منعزل من الحان ، وأنا تعب مكدود معنى وطلبت كأسا من الخمر ، وشغلت نظرى بقراءة الأوراق الملصقة على الزجاجات الموضوعة على الرفوف أمامى ، كان القلق رغم المشى والتنزه فى قلب الطبيعة ، لا يزال يهيمن على كيانى ووجدانى ، ومضى علىّ أكثر من نصف ساعة وأنا جالس وحدى ، أفكر وأتخيل ، وأرسم على دفتر امامى دوائر وخطوطا واكتب بضعة أسطر وأمحوها ، وفرغت من شرب الكأس وطلبت غيرها ، بعد أن أحسست بالصداع يصدع رأسى ، وتراخت أعصابى وثقل جسمى ، فاضطجعت على الكرسى ، وأرسلت بصرى فى سماء الحان ، وأخذت استعرض فى ذهنى الحادثات التى مرت بى فى سنى حياتى ، وشغلت جانبًا من تفكيرى ووقتى .. فكرت فى الأصدقاء فى المدرسة ، فى رفاق الحداثة .. فى المخلوقات العزيزة الحبيبة التى يضرب ببننا وبينها الدهر ، ويبعدها عنا الزمن فى كل ما يسر ويسوء فى هذه الحياة الدنيا ، فكرت فى هذا كله ، وأنا أرفع عينى إلى سقف الحان ، وبصرى سادر حالم ، والكأس الدهاق يتصاعد منها الحبب ويرغو ..

وخفضت طرفى ونفضت به جوانب الحان ثم رددته إلى المائدة التى تجاور مائدتى ، فلمحت فتاة جالسة إليها ، وكان ظهرها إلىّ ووجهها إلى الباب ، فأبعدت وجهى عنها أول ما رأيتها .. فجيرتى لأى إنسان .. حتى وإن كان امرأة ، فى ساعة كهذه مما يزيد فى همى وشجنى ، ويرهف أعصابى .. وشعرت بعد دقائق بالضيق يشتد ويتمكن ، فرحت أنقر بإبهامى على المائدة ، وأدير الكأس فى راحتى ، وأوجه عينى الحمرواين إلى الباب .. وأود لو أنفذ من خلال الستر وأخلص إلى الطريق وأتسلى بالنظر إلى المارة ، ثم عن لى أن أغادر الحان وأستأنف تجوالى فى الطرقات .. فقد كان قلقى لا يحتمل ، كانت عيناى لا تقويان على المطالعة .. وشفتاى لا تستسيغان الكأس ، وأنفاسى لا تعب من جو الحان .. بيد أنى أحسست بخور وثقل فى جسمى ، وعجزت عن النهوض ، فاعتمدت بمرفقى على حافة النضد ، ووضعت رأسى على راحتى ، وأطرقت مغمض العينين كالمستغرق فى النعاس .. وبقيت هكذا مدة طويلة والفكر تدور فى رأسى وتصطخب حتى استيقظت على صوت ناعم قريب منى خيل إلىَّ أنه ينادينى .. فرفعت رأسى وتلفت فألفيت الفتاة التى لمحتها من قبل تحادث الساقى ، وكانت قد استدارت بالكرسى وواجهتنى ، وكانت عيناى سابحة فى سحب من الهم فلم أستطع أن أتبين ملامح وجهها لأول نظرة ، ثم انقشعت الغشاوة عن بصرى بالتدريج ، ورأيتها لأول مرة وهى تنظر إلىّ بقوة ، وقد لفت نظرها شرودى ووجومى ، وتبادلنا النظرات .. وبقيت أحدق فيها دون وعى ، هنيهة ، وشعرت بعد هذه النظرة بالحوائل والموائد التى كانت بيننا تنمحى فى لحظة ، شعرت بأنى أعرف هذه الفتاة من المهد ..

كثيرًا ما نرى أناسًا لأول مرة ، ونحس معهم بعد أول مقابلة وأول نظرة بأننا نعرفهم من زمن بعيد جدًا إلى أقصى ما يحصيه عقل إنسان ، وهذا ما حدث لى بالدقة أول ما رأيتها ..

وسددت طرفى إليها ، وأنا ذاهل شارد ، وقتًا لا أحصيه .. ثم أغرقت عينى فى قرار الكأس بعد أن تصورت نظراتى تثير اشمئزازها .. ولم يكن يعنينى فى ذلك الوقت شعورها نحوى ، لم أفكر هذا مطلقًا ، لم أفكر فى محادثتها أو معرفة أى شيء عنها .. كانت ككل فتاة تمر علىّ وتسترعى انتباهى وتبقى صورتها برهة فى ذهنى ، ثم تختفى وتضيع مع مثيلاتها .. وشربت جرعة من الكأس ونظرت إلى وجهها الأبيض المشرب بالحمرة الخفيفة الذاهبة .. وأحسست بجسمى يهتز.. وبقلبى يرتجف بشدة .. وتلاقت أعيننا مرة ثانية .. لا .. هاتان العينان السوداوان الساجيتان اللتان تشعان الإشراق والسحر والنور لا يمكن نسيانهما بسهولة ، ستبقى صورتهما هنا مطبوعة فى ذهنى إلى الأبد ، إنها تغايران العيون التى شاهدتها وألفتها ، قرأت فى أعماقها شيئا غريبًا غامضًا لم أقرأه فى عينين بشريتين من قبل .. وأجالت طرفها فى جوانب الحان ، وأخذت فى خلال ذلك أتفرس فى جسمها الفائض سحرًا على ثوبها السنجابى الصوفى المزرقش ، وشعرها الأسود المرسل وراء جيدها الطويل الأتلع ، وقبعتها الرمادية المائلة على جبينها المستوى المشرق ، وهدبها المسبل على عينيها ، وشعرت بعد ذلك بشعور لذيذ ، انتشت له جوارحى ، وتفتحت نفسى ، وانزاحت الغشاوة عن بصرى ، وذاب الهم فى صدرى .. نسيت الوجود بمشاغله وأحزانه ، وفكرت فيها وهى جالسة على قرب منى ، وعليها ذل الفقر وعناء الشقاء الشديد .. وأحنيت رأسى مدة ، ثم رفعت وجهى نحوها ، وتبادلنا النظرات فى هذه المرة أكثر من نصف دقيقة كاملة .. شعرت بأنى أتضعضع أمامها ، وأفنى بكليتى فيها ، فى نظرات عينيها ، فى السحر العجيب الفائض من وجهها ، وكانت نظراتى نظرات المأخوذ بسحر جديد لم يألفه ، لم تكن كأولئك الفتيات اللواتى تبدو عليهن مظاهر الخلاعة أول ما يأخذهن الطرف ، بل كانت رغم حياتها المضطربة محتشمة ساكنة ساجية الملامح جدًا ، تتحدث عيناها وشفتاها بما تنطوى عليه نفسها .. نفسها الغاصة بالكرب المثقلة بضروب الإيلام ، ومع هذا كانت تبسم من حين إلى حين بسمة خفيفة شاحبة لا تعبر عن سرور باطن .. ورفعت الكأس إلى شفتى وأفرغته كله فى جوفى ، وتنفست بصوت مسموع ، أرسلت زفرة حارة من صدرى ، كان جوفى يغلى بتأثير الكحول الحامية ، ونفضت رأسى وعصرت عينى ، وتحولت إليها ، فرأيت دلائل الاستغراب مرتسمة على ملامح وجهها ، ولعلها كانت تعجب لصمتى وسكونى ، وتدهش لوجومى وأنا فى وفرة الشباب والفتوة ..

وكانت رغم بياضها مصرية الدم والنظرات والبسمات ، تنفرد بوجه إنسانى تعبر ملامحه عن اسمى النفوس البشرية وأنقاها ، وهذا ما جذبنى إليها ، ورفعنى عن مستوى الناس وتقاليدهم وتفكيرهم .. وجعلنى أفكر فيها بقلبى .. وراعنى أنها نهضت عن كرسيها واستوت على قدميها وخطت نحو الباب ، وهى تسوى ثوبها وشعرها ، وأذهلنى انها لم تلتفت إلىّ ، ولم تعرنى بالها ، وتصورت أنها تجاهلت وجودى عامدة ..!! وبقيت بعدها شاخص البصر واجما ، لا أحس بشيء مما حولى ، ولا أستطيع أن أحدد انفعالى وأوضح مشاعرى ورغباتى .. ثم انسللت من الحان وأنا أشد الناس عذابا وألما ..

***

كثيرا ما ألتقى بفتيات أشغف بهن بعد أول نظرة ، وتبقى صورهن واضحة فى ذهنى أياما ، ثم تصرفنى عنهن الأيام ولا أعود أذكرهن بعد ذلك أبدًا .. على أننى لم أستطع فعل هذا مع فتاة الحان ، فلقد بقيت صورتها ماثلة أمام نظرى أينما رحت وغدوت وحللت .. بقيت كما شاهدتها أول مرة ، والابتسامة الخفيفة الشاحبة تخطف على شفتيها كما يخطف البرق فى ظلام وليل ، وكان الشوق يتسعر فى أعماق نفسى ويسوقنى إلى الحان لعلى أراها ، ولكننى كنت كلما لمحت بابه من بعيد ، أحس بقلبى ينتفض بين ضلوعى ويمزق صدرى .. وأقف شاردًا وجسمى يرتجف ، ورأسى يدور ، والنور يتراقص أمامى .. والعرق البارد يتصبب على جبينى .. كنت أشعر بحنين ممزوج بالرعب والذعر الشديدين ، فأنتفض وأفرق وأرهب الحان ومن فيه ، وأعود أدراجى سائراً على غير هدى كالشريد الطريد ، تتقاذفنى الحوارى والأزقة متخبطًا فى جوف الظلام ..

وتشجعت ومررت على الحان مرتين فى ليلتين متعاقبتين ولكنى لم أرها فيهما .. فكدت أجن .. ودفعتنى قدماى فى ليلة من الليالى إلى الشارع الذى فيه الحان ثم ألفيت نفسى .. دون وعى .. جالسًا إلى المائدة التى جلست عندها فى المرة الماضية .. واسترحت على الكرسى ، ووليت وجهى شطر الباب ، بعد أن جمعت حواسى كلها فى نظراتى المعلقة بمصراعيه .. وكلما دخل داخل قفز قلبى ، وارتعش جسمى ، وانتفضت جوارحى وكانت الساعة تقرب من التاسعة ، والليلة باردة ظلماء ، شديدة الريح ، ومع هذا فقد دفعت الكرسى خطوة إلى الأمام ليخلص بصرى إلى الطريق .. كنت أود أن أكون أول من يراها وهى قادمة من بعيد ، وأول من يلمح ثوبها ، وكنت على يقين راسخ فى أعماقى بأنها ستأتى ، ونفذ بصرى من فرجة الباب المثنى وامتد إلى الشارع ، واستقر على بقعة بعيدة هناك .. فى ميدان سليمان باشا ، تخيلتها قادمة منه ، وبقيت على ذلك الحال أكثر من ساعة وبصرى مستقر على الميدان لا يتحول عنه ولا يطرف ، وروحى تفور داخل نفسى ، وقلبى يزداد وجيبه كلما رأيت ثوبًا سنجابياً يلوح عن بعد ويمضى .. وانحصر نظرى فى المرأة فقط ، وأغلقت كل الصور الأخرى التى تمر فى الطريق .. وتراقص الضوء وماج الناس واضطربوا ، واختلطوا ثم غابوا عن نظرى ، وأصبحت لا أرى إلا ثوبًا سنجابياً يلوح ويمضى .. يبدو عن بعد ثم يختفى ، يا للعجب اختلط على ذهنى المحموم ، وتغشانى الهم ، وأصبحت لا أرى إلا ثوباً سنجابيا يبدو من بعيد فإذا قرب منى ضاع فى زوايا الطريق وولى ..

تحولت عن الطريق وأغمضت عينى .. ضاع كل أمل فى مجيئها ، وقرب الليل من منتصفه ، ومرت بى ساعات ثلاث قضيتها فى جحيم وعذاب وقلق .. لم أعرف فى حياتى مرارة الانتظار كما عرفتها فى تلك الليلة .. وخيل إلىّ أنى واعدتها وأنها أخلفت وعدى ، ولهذا كان شعورى بالتعاسة والخيبة لا يصور .. واختفى الطريق وخيم الظلام والسحاب على الحان ، وسبحت بكليتى فى سواد كثيف ولم أعد أرى شيئًا .. ثم رجعت لرشدى ونقدت الساقى .. وتحاملت على نفسى ، وتقدمت ، وأنا أميد من الشجو تجاه الباب . ودفعت مصراعه الأيسر فقاوم ثم استلان ، وأزحت الستر وتخطيت العتبة ، فإذا بى أصطدم بها !! يالله !! وقفت عدة ثوان أرميها بعينى مجنون ، وأحسست بموجة من الغضب تجتاحنى فتطاير من عينى شرر يصهر الفولاذ ، وماتت قبضتى فى حديد الباب ، وسمرت فى مكانها مروعة ، وقد طير منظرى المرعب صوابها ، وخلصت أنفاسى وانطفأ وهج عينى وهبطت حرارتى .. وبرقت عيوننا معًا ببريق غريب .. ثم اختلج طرفها وأسبلت جفنيها ، وأحسست بأنفاسها تروح على وجهى .. ثم رفعت أهدابها ونظرت إلىّ نظرة طويلة جمعت فيها كل ما يمكن أن تقوله امرأة لرجل ، ولاقتها نظراتى فى ثبات وصمت ، وكان فى هذه النظرة الطويلة الكفاية .. فأفسحت لها الطريق ومضيت فى الشارع ، وأنا أصفر وأغنى ..

***

ورأيتها ذات ليلة جالسة فى ركن من الحان مع فتاة فى سنها ، فاتخذت لنفسى مكانًا يقرب منها .. ولما رأتنى ابتسمت فى سرور وغبطة ، وشاع فى كيانها المرح فرن ضحكها الموسيقى فى أرجاء الحان ، وكان له وقعه فى قلبى .. وبارحت الحان وهى ترمينى بنظراتها ولم أشعر بعد فراقها بألم ولا حزن ، بل كنت على أحسن حال ، وأتم سرور ..

وأصبح الحان بعد هذه الليلة من ضروريات حياتى ، كنت أدلف إليه فى الساعة الثامنة من كل مساء ، وأبقى فيه حتى تنقضى ساعتان من الصباح ، وكانت الفتاة تجئ أحيانًا فى التاسعة ، وأحيانًا فى العاشرة ، وتبقى إلى نصف الليل .. ولم أحاول طوال هذه الساعات محادثتها ، فقد كان الاضطراب والخجل يعقدان لسانى ..!!

وجاءت مرة قبل ميعادها بساعة ، والحان خال من رواده تقريبًا ، وحيتنى بابتسامة فاتنة ، وخلعت قبعتها وجلست على كرسى يلاصق مائدتى .. وحملنى قرب جسمها من جسمى على أن أبعد عينى من سواد عينيها ، وأن أخفى اضطرابى بأى سبيل ، ففتحت كتابًا معى ، ومضيت أقلب صفحاته .. واستغرقت فى المطالعة حتى استيقظت على صوت جاف خشن دوى فى جنبات الحان ، فرفعت رأسى ، فرأيت بائع أوراق " النصيب " واقفًا أمامها يدفع لها ورقة ويحملها فى خشونة على شرائها .. وسمعت صوتها الناعم الفضى النبرات ، وهى تصرف الرجل بالحسنى ، ورأيت الحياء .. الحياء الشديد الذى لا يظهر على وجوه الكثيرات من بنات الأسر يغمر وجهها ، ويلون وجنتيها بلون الجمر ، والبائع الجلف لا يزداد مع الحياء إلا جرأة .. فأشفقت عليها ، وناديت الرجل ، فتحول إلىّ وتناولت منه ورقة ، وأخذت أحادثه لتعود الفتاة فى خلال ذلك إلى هدوئها .. ثم مددت يدى نحوها فى اضطراب ..!! ورجوتها أن تجذب بيدها الجميلة ورقة .. فرفعت وجهها فى استغراب وترددت وابتسمت .. وصوبت عينيها فى أعماق عينى ثم قالت بصوت خافت :

ـ ولكنى منكودة الحظ .. أو كنت على الأقل كذلك ..

وانقطع صوتها .. وشعرت بكلماتها الأولى تسحق قلبى .. ورأيت وجهها يرتفع عن الورق ويستقر على شفتى .. كانت تود أن تعرف أول كلماتى .. كنت أود أن أقول لها شيئًا لم أقله من قبل ، ولكنى أحسست بلسانى يقف فى حلقى ، وتداركت نفسى وقلت فى صوت خافت متهدج :

ـ أرجوك أن تتناولى ورقة ..

فمدت يدها الرخصة .. وأمسكت بالورق وأخذت تقلب فيه ، وتتفرس وتفكر وتحلم .. وأناملها الدقيقة فى أثناء ذلك تنتفض .. ثم قدمت لى ورقة ، وهى تضحك ، وغمغمت بشيء لم أسمعه ..

ونقدت الرجل لينصرف ، أحسست بأن وجوده يضايقنى ويفسد علىّ سعادتى ..

وبقينا صامتين مدة فى ارتباك وخجل ..!!

ثم سألتنى فى صوت خافت ، وقد أشرقت صفحة وجهها :

ـ سكير ..؟

ـ معاذ الله ..

ـ لماذا تجئ إلى هنا كل ليلة إذن ..؟

ـ كل ليلة ..! ما كنت هنا أمس ولا قبل الأمس ..

ـ ولكنى أراك كل يوم ..!

ومالت بعنفها إلى اليسار قليلا وأظهرت كل أسرار قلبها فى صفاء عينيها .. ثم فتحت شفتيها الرقيقتين الحالمتين لتفسح طريق أنفاسها ..

وسألتها وبصرى يضطرب مع خلجات شفتيها :

ـ أين ..؟ أين شاهدتينى .. ؟

ـ رأيتك سائرًا فى الطريق .. أو دائراً فى قلق وحيرة حول الحان ، كأنك تبحث عن شيء عزيز فقدته .. لماذا تفعل هذا ..؟

ـ كنت أبحث عن وجه إنسانى ..

ـ ووجدته ..؟

ـ أجل .. أخيراً ..

وظهر فى عينيها الدهش مختلطًا بسرور النفس وابتهاج المشاعر ..

وسألت بصوت لا تسمعه أذناها :

ـ أين ..؟

ـ هنا ..

ـ ها .. ولماذا تبحث عن الوجوه الإنسانية .. أأنت رسام ..؟

ـ أجل .. وكيف عرفت ذلك ..؟

ـ قرأت فى عينيك آيات الفن ..

ـ شكَراً ..

ـ أهذا ثناء ..؟

ـ بالطبع ..

ـ آسفة ما كنت أقصد هذا .. ما أجهلنى ..!

ـ على أى حال شكراً ..

ـ ولماذا كان هذا الوجه السعيد إنسانيًا .. لماذا يتميز عن وجوه الناس ..!

ـ لأنى كلما رأيته ، أنسى ضعف الناس وضعف نفسى ..

وأدرك تلك القوة الخفية التى تحركنا وأضع الحياة بخيرها وشرها فى ميزان واحد ..

ـ وإذا غاب عنك هذا الوجه ..

ـ أرتكب كل حماقات الناس أجمعين .. وأكون كأشد المتزمتين منهم سخفًا وحمقا ..

ـ أتحبه إذن .. آه .. آسفة .. أتحب أن تراه دائما ..؟

ـ فى كل لحظة وحين ..

ـ فى كل لحظة وحين ..

ـ لماذا ..؟

ـ لأنى أقرأ فى عينيه شيئًا غريبًا غامضًا يرتجف له قلبى ..

ـ أتجالس النساء كثيرًا ..؟

ـ لماذا ..؟

ـ لأنك ثرثار ..!

ـ آسف .. لقد أزعجتك بفلسفتى الجوفاء ..

ـ هذا صحيح .. والآن أصمت واشرب نخب صحتك وصحة الوجه الإنسانى ..!

وسألتنى بعد لحظات :

ـ لماذا كنت تحدق فىّ بشدة أول ما رأيتنى ..؟

ـ كنت أحاول أن أذكر أين قابلت هذا الوجه وهاتين العينين ..

ـ وتذكرت ..!

ـ نعم أخيرًا ..

ـ قابلتنى أنا ..!! وفى أى مكان ..؟

ـ من زمن بعيد جدًا .. قبل أن توجدى ..

ـ أوه .. صه ..

ووضعت يدها على فمى ..

وانطلقنا نتحدث ، ونتبادل النظرات والبسمات فى سكون وتأمل ، ولم أسألها بعد ساعة من الحديث الممتع عن اسمها كما أنها لم تسألنى عن اسمى .. أقبلت بوجهها على وجهى .. ويدها مستريحة على طرف المائدة فأمسكت بيدها لأول مرة ، وشعرت بلذة عنيفة قوية تتدفق مع دمى ، وضغطت على يدها فى قوة وحرارة .. كنت أود أن أعبر لها من أقصر طريق عما تكنه جوانحى ، ويحمله قلبى ، وكان وجهها الساكن الهادئ الجميل يكتسى بحمرة الشفق ، ويذوب لونه ويرف على خدها فيزداد نضارة ويزهو ، وكان شعرها بعد أن خلعت قبعتها ، يكون هالة فاتنة لجبينها ووجنتيها ، وينسدل مرارا على عينيها ليحجب عنى بريقهما ونورهما ، فكانت تدفعه إلى الوراء وهى تهز رأسها ، وتبتسم أعذب ابتسام وأفتنه ..

مرت علىّ وأنا جالس معها لحظات لن أنساها ما عشت ، اختلستها من غفوة الزمن وأراها لا تعود .. مرت علىَّ فى سرعة البرق .. وأنا مأخوذ بسحر جمالها .. صور حياتى كلها من اللحظة التى وجدت فيها حتى التقيت بها .. ما أغرب المصادفات ، إنها التى تخلق الأشخاص حقا وتغير سيرة حياة الإنسان كذلك ، لم أكن أعرف وأنا أدخل الحان فى غلس الليل وسكونه أنى سألتقى بأعز إنسان فى حياتى .. بالمرأة الوحيدة التى أحببتها .. المرأة الوحيدة التى شعرت معها بأنى إنسان يعتز بإنسانيته ووجوده ، ويعرف قيمة حياته ، ويقدر مصيرها ، لقد كانت حياتى قبل أن ألتقى بها تسير على منوال أليم معذب .. كنت كمن يعيش فى صحراء جرداء ولا رفيق ولا أنيس ، كنت كمن يعيش فى مغارة سحيقة فى أعمق طبقات الأرض حيث الظلام والفناء والعدم ، أرزح تحت ثقل الوحدة المميتة ، وأفنى حيويتى ، وأشرب أحزانى ، وأعصر قلبى وفكرى ، وأشعر بأنى أسير نحو الفناء ببطء .. أسوق نفسى إلى حتفى .. كانت أعصابى بعد مطالعاتى المستمرة ، وعملى كرسام قد وهنت وضعفت .. وتداعى معها جسمى ونشط تفكيرى ، وسبح خيالى فى لجج من الهم ، وتراكمت الخواطر على ذهنى المحموم .. كنت واقعًا تحت تأثير خواطر عاصفة ، أتعذب لعذاب الناس ، واتألم لآلامهم ، وأشقى لشقائهم وبؤسهم ، أرى الفقراء إخواننا فى الإنسانية يشقون ويتعذبون ويتساقطون حولنا تساقط الفراش حول اللهب ، ونحن لا نفعل شيئا لأجلهم ، لا نفكر فى إسعادهم وانتشالهم من بؤسهم وفتح أبواب الحياة لهم .. كان نظرى إلى المرضى والضعفاء والمساكين ، والذين قست عليهم الحياة وشردهم المجتمع ، ولفظتهم الإنسانية ، كله عطف وإشفاق على مصيرهم ومآلهم ..

قضينا فى الحان أكثر من ساعة ونصف ساعة فى حديث ومرح وغبطة .. قربت وجهى من وجهها وعينى من عينها وقرأت فى أعماقهما لواعج صدرها ، أحلامها وأمانيها .. وأحسست ، وأنا قابض على الكأس ، براحتها تلامس يدى ، فضغطت عليها ، وأمسكنا بالكأس معا ، وسرت نشوة لذيذة قوية فى عروقى ، ورفعت يدها عن الكأس ، وقبضت عليها بشدة ، ورأيت السرور يتألق فى جبينها ويشرق على وجهها ، كانت فى حاجة شديدة إلى من يعطف عليها ويرحم مصيرها ، ويعرف آلامها ويخفف عنها أحزانها .. ما أحلى السعادة التى يشعر بها أولئك الذين يحسون ويعرفون أن هناك مخلوقات بشرية تعطف عليهم وتحبهم .. تحبهم يالله ..!! ما أسعد الساعة التى تمر على المرء وهو على يقين من أن هناك إنسانا مثله يجاوبه عطفًا بعطف ، وقلبًا بقلب ، وشعورًا بشعور .. شعرت فى تلك اللحظة أنها انقلبت فتاة أخرى ، وأن روح الشر الخبيثة التى تجرى فى دم المرأة قد رسبت وتخدرت فى أعماقها .. وبدت أمامى هادئة وادعة صافية النفس حالمة ، تتعطش للمستقبل المجهول ، وتتمنى أعذب الأمانى ، وتسبح فى جو من التأملات اللذيذة .. كم مرة امتزجت أنفاسنا ، ونحن نتقارب بالشفاه ونتلامس ، وكم مرة شعرت بعينيها الجميلتين تنفذان إلى أغوار نفسى . وكم مرة تضاغطت أيدينا وتماسكت وتشابكت ونحن نهتز ونرجف من فرط الشعور بالسعادة التى لا تحد ..

ولما هتفت بالساقى لنبرح المكان ونرتاض قليلا خارج المدينة سمعتها تقول بصوت خافت فيه كل ما تملك من عذوبة ورقة :

ـ اسمح لى أن أدفع الكأس التى شربتها وحدى ..

فقطعت عليها حديثها بنظراتى المؤنبة القوية ، وغضت طرفها وفتحت حقيبتها وضربت يدها فيها ، وراعنى أن يدها أخذت ، بعد ثوان قليلة ، ترتعش .. وترتعش رعشات عنيفة مفزعة ، وانقلب وجهها الضاحك الباسم ، فى لحظة ، إلى وجه أصفر أغبر السحنة .. فى ثانية واحدة تغير كل شيء فيها ، كانت شفتاها المتقلصتان تختلجان بشدة وتلوذان بأسنانها .. وقبضة يدها لا تزال تنتفض فى ثنايا الحقيبة ..

ونقدت الساقى وانصرف ، وأمسكت بيدها ، ورأسها لا يزال منكسًا ، فأحسست بجسمها يرتعش كله ، ووضعت يدى تحت ذقنها ورفعت وجهها إلىّ .. فيا أروع ما رأيت ..! رأيت عينيها غارقتين إلى أقصاهما بالدمع .. رأيت أجمل عينين فى الدنيا ترسلان أصفى دمع ..

وقالت بصوت ناعم خافت متقطع :

ـ لم أكن أعرف .. أ .. أ ..

ووضعت يدى على فمها .. كنت أعرف ما ستقوله ، وأشعر وأقدر مركزها ، لقد انجرح كبرياؤها أبلغ جرح .. ولما أمسكت بكلتا يديها وقبضت عليهما بشدة كان جسمها ينتفض كله ..

فكرت فى كبريائها المجروح ، وأدركت لأول مرة فى حياتى قيمة المادة وحقارتها أيضاً .. فكرت فى أن القناطير المقنطرة من الذهب والفضة التى يحبسها الأثرياء عن الضوء لا تساوى دمعة صافية من دموعها .. فكرت فى أن هذه الدنيا بمن فيها ومن عليها لا تستحق دمعة رقراقة من عبراتها ، كنت أود لو أمتلك الدنيا بأسرها لأفديها بأحزانها .. أحسست بجو الحان يأخذ بعقلى .. لقد جرح إحساسها .. يالله ..! لقد رفعت إلى أسمى موضع فى نفسى .. ونهضت وأنهضتها .. وتأبطت ذراعها وخرجنا من الحان نضرب فى الطرقات فى صميم الليل على غير قصد ..

وكانت الليلة من ليالى الشتاء القارة التى لم تألفها القاهرة منذ سنوات ، كانت قاسية البرودة شديدة الريح ، ومع هذا فما أحسسنا بها ولا أعرنا بالنا إليها .. سرنا متلاصقين نسمع صوت نعالنا فى الليل الساكن .. ودقات قلبينا فى أعماق السكون المخيم ، ونرى أنفاسنا المبهورة المتلاحقة وهى تسبق وجهينا ، وشعرت وهى بجانبى بإحساس عجيب غريب ، أحسست بقوة عظيمة تسرى فى جسمى .. انتفخت لها أوداجى وشمخ أنفى ، خلت نفسى بعد أن تدفق الدم فى شرايينى أقوى من الناس جميعًا فرحت أضرب الأرض بقوة ، وأطوح بذراعى فى الهواء بعنف ومرح وفتوة .. وددت لو اعترضنى معترض لأبرهن لها عن قوتى التى لا تحد ، وددت لو اعترضنى إنسان لأضربه الضربة البكر التى ترديه ، وددت لو حملتها على ذراعى وحلقت بها فى السماوات ، فوق المنازل وأعالى الأبنية ، وفوق الأسوجة والمعترضات والسدود ، وفى جو الحدائق وفوق سماء الأنهار ، وأنا أضحك وأقهقه وأغنى وأفيض على الدنيا بأسرها ببعض سعادتى .. كانت سعادتى فى ذلك الحين تكفى لإسعاد المحزونين فى الدنيا بأسرها جمعاء وفناء الآلام والأحزان من البشر .. كانت تكفى لوضع الناس فى صعيد واحد وجعلهم سعداء هانئين ..

فكرت وهى مستريحة بجسمها على جسمى .. وادعة حالمة .. فى هؤلاء الذين يثيرون دفائن هذه المخلوقات الضعيفة ، ويدعونها تنفث السم ، فكرت فى هؤلاء المخنثين الذين يبكون ويركعون أمام المرأة ليبعثوا فى أعماقها الاحتقار والسخط على جنس الرجال جميعًا ..

فكرت فى هؤلاء المرضى الذين ينوحون ويبكون ويموتون أمامها من الخور حاسبين أنهم يستدرون عطفها ، ويستقرون فى قلبها .. وما يبعثون فى نفسها إلا كل ضروب الاشمئزاز ، فكرت فى هؤلاء الذين لا يفهمون المرأة على بساطتها وسطحيتها ويروحون ينسجون حولها الأسرار ، فكرت فى هؤلاء الشعراء المساكين الذين لذعتهم بمثل الجمر وكوتهم بنارها ، وهى لا تملك إلا عذابهم وإيلامهم ، لأنهم لا يستحقون إلا التعذيب والإيلام .. فكرت فى هؤلاء التعساء الذين يشوهون جمال الحب بدموعهم وزفراتهم وتنهداتهم التى لا آخر لها ..

وكنا قد بلغنا جسر إسماعيل فأوغلنا فيه ، ثم اعتمدنا على حواجزه ، وأخذنا نحدق فى الماء الجارى تحتنا ، والطبيعة الناضرة حولنا ، وبعثها منظر السماء والماء .. وجمال الطبيعة السابحة فى غيابات الكرى ، والنخيل السامق على الشط ، والأضواء الراقصة على صفحة الماء ، على أن تتحدث عن آمالها وأحلامها وأمانيها التى ذوت وصوحت وراحت أباديد ..

ولما بدأت تحدثنى عن صدر حياتها وضعت يدى على فمها لتصمت ، لم أكن أحب أن أعرف شيئاً مطلقاً يتصل بماضيها ، كنت لا أود أن أفسد علىّ سعادتى الراهنة .. كنت لا أحب أن أعرف عنها أكثر من أنها مخلوقة وادعة التقت بى عرضاً فى ليلة من الليالى ، واستسلمت بكليتها لى ، بجسمها ونفسها .. فما شأنى وماضيها .. طغت علىّ موجة إنسانية رفعتنى عن الشهوات الشخصية والأنانية ، وجعلتنى إنساناً يعيش لساعته .. يعيش لوقته ..

وأخذت أجول بطرفى فيما حولى ، ثم أحدق فى جسمها الممتلئ الرشيق الفاتن وأسبح فى عينيها النجلاوين الضاحكتين ، وأحس بجاذبية غريبة تجرفنى نحوها ، وتحملنى على أن أنسى الزمان والمكان وأطوقها بذراعى ، وأضمها إلى صدرى ، ووقفت ساهمًا ، مبهور الأنفاس ، شديد ضربات القلب ، وذراعاى تودان لو تضمانها إلى قلبى ، وتضغطانها على جسمى ، وشفتاى تتعطشان إلى شفتيها ، كنت أحب أن أعصر جسمها وأفنى فيه حيوتى وأدفن أحزانى ..

وقالت بصوت مرتعش وقد أدركت بغريزتها ما يجول بخاطرى :

ـ كمال .. اشتد البرد .. هيا ..

فنظرت إليها فى غرابة وقلت :

ـ كيف عرفت إسمى ..!

فقالت باسمة :

ـ قرأته هنا ..

وأشارت إلى جبينى ..

وضغطت على ذراعى وقربت منى .. مشينا على رصيف الجسر حتى تخطيناه وانحدرنا إلى الشط ، وسرنا على العشب الأخضر المطلول ، وكان السكون عميقا شاملا ، والطبيعة هاجعة ناعسة ، وطرف الجيزة الفيحاء يبدو بنخيله وحدائقه وبساتينه ، غائصا فى لجج الظلام ، ولم تكن الليلة مقمرة فاسترحنا إلى الظلام .. وإلى ظل النخيل الممتد على أديم الماء .. ولم تكن سعادتنا مستمدة من الطبيعة الجميلة الضاحكة بل كانت خارجة من أعماق نفسينا .. وجلسنا على العشب الندى ، ورحت أذكر قريتى الحبيبة على النيل وطفولتى وملاعب صباى ، أيام كنت أقضى النهار طوله اصطاد السمك ، وأسبح فى الماء .. رجعت أذكر الليالى الصيفية المقمرة التى كنت أتنزه فيها فى النيل مع لداتى من أبناء أعمامى .. نخرج بزورق صغير كل غروب ساعة الطفل ، ونرسله مع التيار ، ثم نشرع فى التجديف الخفيف اللين ، ونغنى على وقع المجاديف الغناء الريفى الحزين ، حتى يجرفنا التيار ، ويرمينا إلى جزيرة القرية الصغيرة ولما تسمع كلاب الجزيرة الهائجة أصوات المجاديف تتوثب نحونا نابحة ، فيخف إلينا الفلاحون ، ويزجرون الكلاب بالطوب ، ويمسكون الضوارى منها من أعناقها .. ثم يتلقونا بالبشر والترحاب والتهليل .. ونجلس حولهم خارج العرائش نأكل البطيخ ونسمع أحاديثهم وسيرهم وأقاصيصهم الطلية عن عصاباتهم فى الليالى السوداء وهم يسطون على العزب .. يفيضون معنا بفنون الأحاديث حتى يقرأوا على وجوهنا النوم ، فينهض منهم ثلاثة أو أربعة أشداء مفتولون ، ويأخذون ناصية الزورق بحبل طويل يديرون طرفه الآخر على أكتافهم ، ويرسلونه وراء ظهورهم .. ثم يسحبون الزورق .. ويمشون به قرب الشط فى صمت وعناء وسكون ، ونحن خلفهم مستلقون على سطحه ، مستسلمون لأعذب الأحلام ، لا نفكر فى آلامهم ولا نشعر بتعبهم ، ولا نقدر عواطفهم الجميلة النبيلة ، ولا حتى نشكرهم ، وما أحسبهم كانوا فى حاجة إلى شكرنا .. لازلت أراهم وأتصورهم الساعة وهم يشمرون عن سواعدهم ، ويطوقون خصورهم بأطراف ثيابهم ، وينحنون على الماء .. والحبل يغل عنقهم ويدمى ظهورهم ، وأرجلهم تتخبط فى الماء وتغوص فى الوحل ، فإذا أدركهم التعب ، غنوا غناء حزينا يختلط مع خرير الماء المتدفق من السد القريب ، ويستقر فى أعماق قلبى .. هذا المنظر الذليل المستكين سيبقى هنا راسخاً فى أعماق ذهنى إلى الأبد .. هنا عند مركز الباصرة ستبقى هذه الصور حية كما شاهدتها من سنين ..

***

وأخذت علىّ سيل خواطرى وذكرياتى بقولها :

ـ ما الذى تفكر فيه ..؟

فتحولت بوجهى إليها ، وكانت ترقبنى فى تأمل ، وتعجب لشرودى ، وتجهل ما يدور فى ذهنى ، وأمسكت بذراعيها وجذبتها نحوى ووقفت وأنفاسى تمازج أنفاسها ، وصدرى يضطرب مع صدرها ، وعينى سابحة فى نور عينيها .. يالله .. ستمر السنون وتنقضى الأعوام ، وتطوى الحادثات ، وتنمحى الصور وهاتان العينان مستقرتان هنا .. هنا تحت عينى .. تنظران من وراء الحجب إلىّ ، تلحظانى من وراء الغيب المجهول .. إنكما هنا بجوارى تسهران علىّ وأكتب على نوركما هذه الصفحات ، وفى اللحظة التى سينطفئ فيها هذا البريق ، سينطفئ سراج حياتى ..

***

ودعنا جسر إسماعيل ، وما يحيط به من مناظر ومباهج ومتع ، وكنا ننظر إلى الماء الجارى تحتنا ، والطبيعة الناضرة حولنا ، والسماء الباسمة فوقنا ، ونتمنى لو تواتينا الشجاعة لنفنى ، لنفنى معا بعد أن أحسسنا والشعور مشترك ببلوغ الغاية والوصول إلى نهاية .. أحسسنا بأننا وصلنا بمشاعرنا وعواطفنا إلى نهاية ما نحب ونرجو .. كنا نود لو ننحدر إلى جوف اللج ، ونروح مع تياره ، ونغوص فى أعمق أعماق اثباجه ، ويطوينا البلى معًا ، ونحن متلاصقان جسمى على جسمها .. وصدرى على صدرها ، وشفتى على شفتيها ، وأنفاسى تمازج أنفاسها ، ورضابى سابح فى رضابها ، وروحى تخرج مع روحها فى وقت واحد ولحظة واحدة .. لم أكن فى تلك اللحظة آسف على شيء فى الوجود .. الإنسان يعيش فى حياته مرة .. مرة واحدة يشعر فيها بقيمة نفسه ، ويحس بوجوده كإنسان .. ثم بعد ذلك يفنى .. يعيش ميتا حيا ..

وسرنا نقطع شوارع المدينة على مهل ، مسترسلين فى ألذ الأحلام ، غافلين عما حولنا ، ناسين الريح المصفر والبرد الشديد ، حتى قرع سمعنا أنين حاد يشبه العويل ، فوقفنا جازعين ، نسترق السمع ونرهف الحس ، ونمد البصر فى قلب الليل ، وإذا بنا نلمح على ضوء بعض المصابيح ، شبحا أسود ، قابعا تحت جدر بعض الأبنية العالية ، فمشينا نحوه بخطى جفلى ، فلما قربنا منه رأينا امرأة شريدة من طريدات الليل ، على بدنها ثوب أسود مهلهل ضمته على جسمها ، وغطت بأطرافه رأسها ، وتجمعت وتكمشت وألصقت ركبتيها بذقنها ، ودفنت وجهها فى الجدار .. وهى ترتعش وتنتفض من البرد ، وتئن وتنوح ، وتنشج نشيجاً يفطر الأفئدة ويهز المشاعر ..

والتصقت بى الفتاة ، ورفعت عينيها المغرورقتين بالدمع وصمتت ، وبقيت تنظر إلى المرأة بوجه ملتاع وكأنها تود أن تقول :

ـ ألم يمر عليها إنسان ..؟!

وأخذ جسمها بعد ذلك ، يرتجف بشدة ودموعها تتساقط فى حرارة ، فشددت عليها بذراعى وأبعدتها عن هذا المنظر المؤثر بعد أن أدركت ما يجول بخاطرها ، وأخذت أحدثها حتى انصرفت عما تفكر فيه وهدأت وسكنت ، وكنا قد بلغنا المنزل ، فدفعت بابه الحديدى ، واحتوانا الفناء المظلم .. ووقفت عند عتبة السلم وأشرت عليها بأن أحملها على ذراعى لأصعد بها السلم فرفضت .. ثم وافقت .. ولم أدر من أين أتتنى تلك القوة العظيمة التى أعانتنى على حملها دون عناء وجهد ، صعدت بها الدرجات على مهل ، وكنت أقف بين الفنية والفنية لأحدق فى وجهها ، وأملأ عينى من حسنها ، وأرقب شفتيها الورديتين وهما تنهلان من رحيقهما ، واشتهى لو غمرتهما بقبلاتى .. ثم أعود أستأنف ارتقاء الدرج فى تراخ وكسل .. كنت أود أن أطيل إلى أقصى أمد زمن سعادتى ، لم أشعر فى حياتى كلها .. فى سنى أيامى الخوالى ، بمثل هذا الشعور الذى شعرت به فى تلك الليلة ، وهى تطوق عنقى ، وتلصق جسمها بجسمى ، وتضع قلبها على قلبى ، وتسبح بعينيها فى عينى ، لقد أحسست لأول مرة فى حياتى بلذة الحس التى لا تحد ، بالنشوة اللذيذة التى تغمر الجوارح كلها وتفيض على نفس الإنسان وحسه ..

ولما بلغت باب مسكنى أنزلتها فى رفق على الأرض وفتحت الباب ودخلت البهو ، وأشعلت النور ، ووقفت أمامها ألهث .. فوضعت يدها على عاتقى ورمقتنى ، وهى ساكنة الملامح ، بعينين تفيضان حناناً وفتنة .. ثم مشت تستعرض الصور الزيتية المتناثرة على الجدران .. وأدركت بعد السكون الذى طالعها من جوانب البيت أننى أعيش وحدى .. ونقلتُ البصر فيما حولى ، ورجعت أذكر هذا المنزل الذى قضيت فيه جانبًا عظيمًا من حياتى وحيدًا مستفردًا لا يؤنسنى فيه إنسان ، مضيت فيه شطرًا كبيرًا من نهارى وليلى ، وحيدًا منعزلاً ، فى حى هادئ يقرب من حى الموتى ، وشعرت لأول مرة بأنى فى حاجة شديدة إليها ، إلى ابتسامتها ، إلى النور المشرق من عينيها ..

وأمسكت بيمناها وجذبتها إلىّ ، فراعنى أن ظهر راحتها مخضل بالدم .. فحدقت فيها مبهوتًا ، وهى تبتسم فى خفر أحلى ابتسام ، وقربت منى ودار ذراعاها حول عنقى فرفعت يدها الدامية عن عاتقى وقربتها من شفتى ، وأدمت النظر فى سواد عينها وفهمت .. لقد غاصت أظافرى ، وأنا لا أعى فى لحمها .. ووضعت شفتى على يدها وأخذت فى نهم أشرب الدم .. وأحس بلذة وحشية غريبة هزت كيانى ، وكرت بى إلى طبيعتى الأولى .. إلى إنسان الغاب .. وتراخى جسمها واستلانت عضلاتها ، وأطبقت جفنيها ، وحبست أنفاسها ، فحملتها على ذراعى ودخلت بها مخدعى وأضجعتها على السرير ، دون أن أشعل النور ، وطوقت خصرها ، وضغطت على بدنها .. وأنا أهتز وأرجف ، ودفنت رأسى فى حجرها وصدرى يغوص فى جسمها ، وأنا أرتعد وأنتفض وأخاف .. أخاف المستقبل المجهول بظلامه وسحبه ، أخاف أن تفلت من يدى ، وتروح مع الرائحين ، فتذهب وراءها سعادتى وحياتى ..

=====================

نشرت القصة فى كتاب " فندق الدانوب " سنة 1941