الجمعة، 1 يناير، 2010

صوت الدم


طريق الفناء

عندما تطفأ مصابيح الغاز فى شارع عماد الدين ، فى حى الملاهى ، وتبدأ بشائر الصباح فى الحى الجميل ، تتحرك عجلات الترام على القضبان ، يسير المترو من أول محطة إلى نهاية الشارع على درجة واحدة من السير ، ولكنه عندما يقرب من عمارة " بولاد" ويميل إلى شارع الملكة نازلى يخفف من حدة سيره ، ويحبس من سرعته ، وهذا ما يجعل العجلات الخلفية تصر وتدوى وهى تزحف على القضبان .. عند هذا المنحنى الذى يهدأ فيه سير الترام .. وعند مفترق الطريق ، وعلى الرصيف الأيسر إذا استقبلت الشارع الأول بوجهك وجعلت الشارع الثانى وراء ظهرك ، تجلس امرأة من أولئك التعساء المناكيد الذين يقضون الليل على الرصيف .. تجلس وهى تدير ظهرها للطريق تستقبل بوجهها الحائط .. تستقبل بوجهها جدار بعض الأبنية الشاهقة القائمة هناك ، تستقر عيناها على الجدار ولا تتحول عنه إلا لماما .. فلذة كبدها ، وبعض نفسها وجسمها ، ينام هناك ، وليست تحت رأسه الوسائد ، ولا عند جنبه الرياش .. ولا فوق جسمه الغطاء الصوفى الثقيل .. لا .. لا .. إذا فكرت فى هذا فقد أسأت إلى الاجتماع الانسانى وقلبت أوضاع الحياة .. وشوهت حقائق الوجود ..! ليس عليه سوى ملاءة سوداء خفيفة ممزقة الأطراف ، ملوثة الجوانب ، تديرها أمه على عنقها فى النهار ، وتطرحها عنه إلى ابنها فى الليل .. وجسمه كله على الأرض المقيرة الباردة ، وجنبه الأيمن يلاصق الجدار وكان إذا وضعته أمه على جنبه الأيمن لا ينقلب إلى الأيسر ، ولا يتحرك حركة الغلام المعافى وإذا فتح عينيه يتململ قليلا ويدفع ذراعه المعروقة إلى الأمام فى حركة مشلولة وانية ، وتنفرج الأصابع قليلا كأنها تشير إلى شيء .. ثم يسترخى الذراع ، ويتمدد على الأرض ، وأمه ترقب هذا بعين دامعة ، تعرف أنه لا يستطيع الحركة ، لا يستطيع حتى التعبير عن آلامه الدفينة ، لا يستطيع حتى التذمر .. كان صدره الواهن يتمزق ويتمزع ، ولكنه لا يستطيع أن يعبر عن هذا بغير السعال الشديد الذى يزيد صدره تمزيقا ..
وعندما يتلع الضحى ، يفتح الصبى المسكين عينيه ، ويدور ببصره الرجراج فى الطريق ، وهو يتململ فى ثقل وفتور ، وفى عينيه رغبة قوية تعرفها أمه ، فتنحنى عليه وترفعه عن الأرض .. وتضمه هنيهة إلى صدرها ، ثم تجلسه فى حجرها وهى تهز وركيها ، وتمسح شعره بيديها .. إذا نظرت إليها وهى تنحنى بجسمها على جسمه وتقبل بوجهها على وجهه ، وتضع شفتها على شفته ، رأيت حنان الأم فى أكمل صورة وأبدع مظاهره ، إنها تود لو تسكب من دمها فى دمه ، وتنفخ من روحها فى روحه .. كانت تمر بأنفاسها اللينة على وجهه ، وتلصق جسمها الحار بجسمه ، ليعود إلى العافية ، ويفئ إلى الصبا ، ليلهو ويمرح ويلعب كالصبيان ، ولكن هيهات ، كانت تنظر إليه دائما بعين مخضلة بالدمع والأسى يحز فؤادها ويفطر كبدها .. تيقنت أخيرًا أن أمره أفلت من يدها .. الغلام الحبيب الوحيد لم يعد لها .. الغلام الحبيب يذوى ويذبل ويموت فى بطء وعذاب وألم .. الإنسان الوحيد فى جو حياتها يتألم ..؟ وينتفض من البرد ، ويرتعد من الحمى الشديدة المضنية ، بعد مولده بأيام كانت على يقين من موته ، ولكنه عاش فأدرك ربيعه الثالث .. كيف ..؟ لا تستطيع أن تفهم .. كان دائما مريضا ، لاصقا بالأرض ، ناحلا هزيلا أصفر الوجه ، غائر العينين شاحب الجبين ، لا يبتسم ولا يضحك ، ولا يتحدث بصوت عال ، كان صوته خافتًا مذبوحا كأصوات النائحات النادبات ، وكانت عيناه منطفئتين ذابلتين ، أبدًا تتعطشان للنور .. لم يكن كالغلمان اللذين يكسبهم النوم فى العراء مناعة طبيعية ، بل كان على النقيض من ذلك .. يزيده البرد وتقلب الجو مرضاً على مرضه .. وكانت أمه تملأ بصرها منه وقلبها يتقطع ، ونفسها تحترق وتذوب ، وتغشاها سحب الهم ، فتغض طرفها ، وتنكس رأسها وتفكر ، وهى تعبث بطرف جلبابها الأسود ، الذى يلف جسمها الممتلئ اللين ، أو ترسم بأصبعها على الأرض دوائر وخطوطًا أوسع من دائرة حياتها الشقية .. فإذا زلت طرحتها عن شعرها عادت تصلحها وتسبلها على وجهها ، وتديرها على جيدها ونحرها ، وتتركها حتى تلامس الأرض المقيرة .. وكان لباسها الأسود يكسبها جمالا فوق جمالها وحسنها .. فعلى الرغم من تعب الحياة ونكد العيش ، فإن جسمها ووجهها احتفظا بشبابهما ونضارتهما وعافيتهما .. كل ما يغيرها عن الأخريات من لداتها اللاتى هن فى مثل سنها ، ولكنهن لسن فى مثل بؤسها .. أن وجهها الجميل كان دائما حزينا باكيًا ، على أن جسمها بقى بضا لينا ناضرًا .. وإذا أمعنت النظر فى نحرها ، رأيت الحد الفاصل بين الجسم الأبيض الناعم والنحر الأسمر الملفوح بشمس الصيف .. وإذا مدت ساقيها لتستدفئ بحرارة الشمس ، رأيت ساقين خدلتين فى بياض ونعومة وفتنة ، تشوبهما حمرة خفيفة تأخذ فى الزيادة كلما قرب الساق من القدم المشقق الباطن من تعب السير فى الطريق ..
وعندما يظهر النهار ، وتشتد حرارة الشمس ، تميل إلى اليمين لتفئ إلى الظل .. إلى ظل عمود المصباح القائم هناك ، وكثيرًا ما كانت تعروها سحب الهم ، فتمد راحتها على حجرها ، وصدرها ينوء بثقل الحزن الدفين القاتل ، ويضطرب من الخيبة الشاملة المحيطة ، لم تكن وهى تبسط يدها تستجدى ، ولا كان شعورها الباطنى يوافقها على أن تسأل المارة .. أبدًا .. أبدًا .. ما كانت تفعل ذلك .. كانت تجلس فى صمت وسكون ، ورأسها مطأطأ وغلامها على حجرها .. ويدها على فخذها ، فإذا نظرت إليها ، وأخذتك الشفقة عليها ، ووضعت فى يدها شيئًا .. رفعت طرفها الضارع إليك ، فتذهل أمام نظراتها الذليلة وتفتن .. إنك لا تستطيع أن تواجه هاتين العينين السوداوين اللتين تديمان النظر إليك فى سكون ولكنك لا تقرأ فيهما شيئا مطلقًا ، لا تعابير الشكر ولا دلائل الثناء .. تثبت العينان فى محاجرهما مدة ولا تطرفان ، فإذا انسحبت من أمامها ، تنطبق الأهداب الوطف على العينين الساجيتين .. وينطفئ السحر العجيب لحظات ، ثم تعود العينان لتستقرا على الأرض ..
وحين يولى النهار ويسقط الليل .. وتشعل مصابيح الشوارع .. وتتلألأ ثريات الملاهى والمقاهى .. تكثر الحركة فى الطريق ، وتبدأ السيارات الفخمة التى يقودها الشبان الناعمون الطائشون تخطف فى الطريق ، فإذا مرت أمامها دفعت الوحل إلى الرصيف بقوة وجنون فيحط الكثير منه على ثوبها ، فلا تراها تنفضه ولا تحرك ساكنا ، ولا تحرك شفتيها بسب ولا لعن ولا تذمر ، ولكنها تديم النظر فى المكان وبصرها سادر كأنها تتخيل وتتصور وتحلم ..
وحين يخف رواد مقهى " بيرون " ترى المرأة غلمان الشوارع عن بعد يجمعون أعقاب السجاير فى حذر وخوف ورعب .. يبدأ هؤلاء الغلمان العمل فى ساعة معينة من الليل .. لا يتأخرون عنها ولا يتقدمون ، وهى الساعة التى تنتقل فيها المرأة من مجلسها لتتهيأ لعملية النوم الشاقة فى العراء ، تزحف فى بطء حتى تلاصق جدار العمارة ، وتضع غلامها فى حجرها حتى يستغرق فى النوم أولا ، ثم تنام بعده إن طرق جفنيها نوم ..
ولم تكن الليلة ككل الليالى ، بل كانت شديدة البرودة ، قوية الهواء .. كان الهواء يهب من ميدان المحطة ، وينخرط فى شارع الملكة نازلى .. فيرنح الأشجار ويضرب الوجوه .. وعندما يميل إلى شارع عماد الدين ، يدفع إلى العمارة التى تجلس تحتها تيارًا شديدًا قاسى البرودة عنيفها .. كانت الرياح المتفرقة فى الميدان والشارع الواسع تتجمع فى هذا الشارع الضيق ؛ وتهب مصفرة عاوية كعواصف البحر الهوج ، وهى تهز نوافذ الدور وتنقر على زجاج النوافذ ، وكل ما عملته المرأة لتقى نفسها وغلامها من شر هذا الليل الأليل ، وهذه التيارات الهوائية العنيفة ، أنها استدارت وولت التيار ظهرها وانحنت على غلامها ولفت جسمه فى طرحتها السوداء البالية ، وكونت من جسمها وقاء لجسمه .. ولكن الرياح كانت شديدة وعاصفة ، فلم تستطع احتمالها .. أحست بالإبر الحادة تشك سلسلتها الفقرية ، وبسكين مسننة تعمل فى ظهرها ، فأخذت تنتفض وترتعد وترجف .. ليس من السهل أن تواجه هذه الليلة بثبات كما كانت تفعل كل ليلة ، فلقد كان بردها لا يحتمل وقرها لا يطاق ، كان البرد الشديد يسقط من السماء ، ويتصاعد من الأرض ويهب من كل جانب ، فأحست بجسمها المستقر على الأرض يثقل ويتخدر وبساقيها تفقدان الإحساس جملة .. لم تعد تعرف ما عملت فيهما الأرض الباردة وبقى جسمها الأعلى يتلقى البرودة فى صبر ، كان صدرها يضطرب ، وذراعاها تلوذان بصدرها .. وأذناها حمراوين فى لون الدم ، وأسنانها تقضقض ، وعيناها سابحتين فى الدموع ..
واستيقظ الغلام المسكين على صوت الرياح ، ولكنه لم يكن يتكلم ولا يتحرك ولا يبين ، كان يلاقى البرد الشديد وهو لا يستطيع التعبير عن آلامه ، وموضع الداء من جسمه ، وهذا ما روع قلب الأم ولذع فؤادها .. فلما طوقته بذراعيها ، ورفعته عن حجرها .. ودفنته فى صدرها ، كان جسمه الصغير يرتعش بشدة ، وقد تجمعت قوته الحيوية كلها فى أطرافه ، كان كل ما بقى فيه من حياة وقوة ، يدفع ذراعه الناحل على صدره ، ويرعش ساقيه بشدة .. فأطبقت عليه ذراعيها وضمته إليها فى عنف ، وقربت وجهه المحتقن من وجهها ، ونظرت فى عينيه الذابلتين ، ثم غمرته بقبلاتها ، وأحست بشفتيه باردتين ميتتين ، ورفعت وجهها الباكى إلى السماء ، فرأت السحب السوداء القاتمة تخيم ، وتضرب برواقها ..
كانت الليلة مع برودتها ضريرة النجم ، شديدة الظلمة ، تنذر بالسحاب الهاطل ..
وأخذ المطر بعد هزيع الليل الأول يسقط مدرارا ، ابتدأ بالرذاذ المتقطع ، ثم تدفق وانهمر وأخذ يضرب الأرض ، ويسيل الماء فى الشوارع . وقل ما يحدث مطر كهذا فى القطر كله ، وفى القاهرة على الخصوص ، ولكنه يحدث غالبا فى العام مرة ليشعر السكان بالشتاء الحق .. كان المطر مندفعا غزيرا ، وكانت المرأة منحنية على غلامها تتلقى ضربات المطر على ظهرها فى سكون .. كان الماء يجرى تحت رجليها وفخذيها الراقدين على الأرض ، وكان ثوبها الخفيف المبلل يلتصق بجسمها فيزيده رعشة ورجفة ، وكان همها منحصرا فى وقاء غلامها من شر المطر ، ولكن المطر كان غزيرًا قوياً فلم تستطع معه صبراً ..
كان المطر يسيل من صدرها إلى صدره ، ووجهها يبلل وجهه ، فأدركت الخطر العظيم .. وشعرت بالموت الزاحف .. وشخص بصرها إلى السماء مدة وأخذت تفكر ، فكرت فى تغيير المكان ، وذكرت بوابة فى شارع محمد على كثيرا ما أمضت تحتها بعض الليالى الماطرة ، فنهضت فى حذر وهى تطوق غلامها وتضمه إلى صدرها ، ثم مشت به فى الشارع على مهل ، وكان الشارع يلمع ، والمصابيح تبدو فى صقاله كالنجوم البراقة ، وكانت كلما أوغلت فى الطريق زاد المطر فى تهطاله ، فكانت تقف تحت شرفات الأبنية لتستريح قليلا ثم تواصل سيرها ، وكثيرا ما كانت تقف على أبواب المطاعم فتصافح أنفها رائحة الطعام الناضج ، والشواء المقدد ، وترى الناس جالسين حول الموائد يأكلون ويشربون فى جشع واستهتار ونهم ، وتحس بمعدتها تقرقر ، وتذكر غلامها الجائع المقرور الذى لم يأكل بعد وجبة الصباح شيئاً ..
ولما بلغت مطعم " الأمريكين " كان المطر قد انقطع فجأة وكان المطعم غاصا بالناس ، فالتصقت ببابه الزجاجى ، وأخذت تستعرض ما فيه ، وأحست بحركة طفلها على صدرها .. فتح الغلام النعسان عينيه فى ثقل وتعب فخطف بصره النور ، كان نور المطعم قويًا باهرًا ، حتى أطبق الغلام أجفانه هنية ، ثم فتح عينيه ثانية ، بعد جهد ، وأخذ يحدق فى المطعم بقوة ، جذبت بصره الحلوى من وراء الزجاج ، وكانت فى صحاف واسعة ، والآكلون عليها وقوف ، يدفعونها إلى حلوقهم بشراهة ونهم .. وكانت عيونهم لا تتحول عنها حتى وإن كانت أفواههم فائضة بالطعام ، وكان الكثير منهم يسقط الحلوى على الأرض ثم يدوسها بنعله ويتناول غيرها وهو يقهقه ..
رأى الغلام هذا كله .. ثم رفع يده المرتعشة وأشار بها إلى الحلوى وهو يحاول الكلام ، فرمقته أمه بطرفها .. وقلبها يتلذع بلذع الجمر ، وأنزلت ذراعه فى رفق ، وبارحت المكان على عجل .. ولما وصلت إلى أول شارع محمد على كان الطفل قد تشبث بعنقها ، واستراح على صدرها ونام .. أحست بجسمه البارد الضامر يلتصق بجسمها ، وكان الجو ، بعد المطر ، قد تغير وشاع فى جنباته الدفء ، وصحت السماء ، ولمعت النجوم ، ولكن الغلام لم يشعر بشيء من هذا كله ، فقد دفن وجهه فى نحر أمه ونام ، ومرت أنفاسه الهادئة على جسمها ، فكانت ترتجف قليلا ، ولكنها كانت تشعر بالرضى عن نفسها ، وتفئ إلى الحنان الأبوى المحض .. كانت رجلاه منثنيتين ومرتكزتين على خصرها ، فعاقها هذا عن جد السير فى الطريق ، فجاء خطوها وجلا محاذراً .. وسمعت الساعة الكبيرة المعلقة فى ميدان العتبة الخضراء تدق .. دقت الساعة الواحدة صباحا .. دقت دقة واحدة ولكن صوتها كان قويًا تمدد ورن صداه فى الحى كله ، لأن الليل كان قد سكن ، والرياح الهوج قد قرت ، والسماء الهاطلة قد كفت والطبيعة الثائرة قد هجعت تمامًا ..
كان كل شيء يسمع بوضوح ، وكان الشارع مغلق الحوانيت خاليًا من المارة ، وبقى فيه السكارى المعربدون ينسلون من الحانات القذرة التى تمتد على جانبى الطريق ، كانوا يمشون فى الطريق ثملين مترنحين يفوهون بألفاظ لا معنى لها ، ولكنها كانت تعبر عن آلامهم المنقمعة ، وعن نفوسهم المعذبة الشقية ، وعن أوجاعهم التى لا تحد ، وكان بعضهم يصطدم بجدار الأبنية ، ويهوى على الأرض ثم ينهض مترنحًا صاخبًا ، ويقطع الشارع فى خطوط حلزونية عجيبة ، ثم يغيب فى ظلمات الأزقة المعترضة ، فبعث منظرهم المروع فى نفس المرأة الرعب والجزع ، فكانت ترتعد وتضطرب وتخاف الوحشة المخيمة على الطريق ..
كانت البواكى القاتمة تبدو كالقبور المظلمة فاغرة أفواهها لتبتلع الناس أحياء .. وكان سيرها كله على الرصيف ، وهذا ما زادها وحشة ورعبا ، ودفعها إلى أن تميل إلى الحانات لتستأنس بأصوات السكارى الصاخبين فيها ، بأصوات الناس أيا كان لونهم ومشربهم ، فلقد كانت الوحدة لا تحتمل ولا تطاق وكان الغلام قد استغرق فى النوم ، واستلانت عضلاته وقرت أعصابه وهجع جسمه .. نسى الليل بوحشته ورهبته وظلامه ورعبه ، والدنيا وما فيها من آلام وأوجاع ..
***
فى صباح اليوم التالى وبعد الفجر بقليل ، سارت المرأة فى ثوب الأمس ، وفى نفس الطريق الذى بدأته فى الليل ، بدأت من المكان الذى انتهت إليه لتواصل سيرها حتى نهاية الطريق .. كانت تتجه نحو القلعة كما كانت أمس ، ولكنها كانت تخطو خطى أبطأ وأمهل وأثقل من خطى الليل ، لم تكن تفكر ولا تدور ببصرها فى الحوانيت ، ولا تستأنس بالمارة .. فقد كانت عيناها ثابتى الحملاق مشدودتين إلى بقعة سوداء هناك ، بعيدة جدًا ..
كانت تنظر إلى الأمام فى خط مستقيم ، ولا ترى فى الوقت نفسه أبعد من خطاها .. كان إنسان العين قد حسر ، والدمع قد جف ، والأنفاس قد اعتلجت فى الصدر واحتبست ، والجسم قد سكن وتصلب .. وكان طفلها كموضعه من الأمس كان على صدرها ، وجسمه ملاصق لجسمها ، ولكنه ما كان اليوم يتنفس ، ولا كانت يداه تتعلق بشيء ، ولا رجلاه ترتكز على الخاصرة ولا جسمه الذاوى يرتعش ، ولا يده الناحلة تشير ، ولا قلبه الصغير ينبض ، كان كل شيء فيه قد جمد وسكن ورقد رقدة الأبد ، وبقى فقط وجهه الصغير الجميل يبتسم ..
وعندما بلغت ميدان باب الخلق ، أبصرت برجال ثلاثة ينحدرون إلى الطريق من شارع حسن الأكبر ، وكانوا يسرعون ويلهثون ، وعلى أكتافهم نعش خشبى مغطى بالحشائش ..!! وكانوا يسيرون فى صمت رهيب محزن ولم يكن فيهم واحد يذكر الله ، أو يصلى على النبى أو يترحم على الميت .. كانت تبدو على وجوههم جميعا آيات التعب وعناء المشى الطويل الشاق ، ولكن واحدًا منهم لم يكن حزينا ولا مكتئبا ولا يبدو عليه أنه يمت للميت الفقير بصلة ، كانت آية الضجر بادية على وجوههم واضحة فى ملامحهم ، وكلهم يحس بثقل النعش على كتفيه ، ويود لو يغافل الناس فيلقيه على الأرض ..! كانت جنازتهم رهيبة محزنة رغم استهتارهم المطلق بمن يحملون من الموتى ..! وكان الرجل الذى فى المؤخرة أصلبهم عودًا وأشدهم ساعدًا ، لأن عليه ثقل النعش كله ، ولهذا طوق خاصرته بنطاق أسمر دار على جلبابه الأزرق ، وشد من أزره .. وكان رغم برودة الشتاء وصلابة عضلاته ينضح عرقًا ، وكان أحد الرجلين الأماميين يتلفت يمنة ويسرة فى بلاهة ، وكأنه ينتظر رأى المارة فيه ..!! ثم يفتح فمه ويطبقه ، ويمد شفتيه حتى يجاوز بهما أرنبة أنفه ، ولعله كان يصفر بصوت خافت ..!
كان سير هؤلاء الثلاثة أسرع من سير المرأة ، فسبقوها وزادت المسافة بينها وبينهم ، على أنها كانت تسير فى طريقهم ، وتترسم مواضع أقدامهم ، ولكن شتان ما يحملون وما تحمل .. إنهم يحملون رجلا فقيرًا معدماً ، جاء إلى الدنيا وخرج من الدنيا ، فلم تشعر بفراقه ، كما أنها لم تشعر بوجوده ، ولكنها تحمل على صدرها كل ما تملك وتحب وترجو فى هذه الحياة الدنيا .. أمنية نفسها وقلبها ، ومنتهى سعادتها ومجتلى أحلامها ، لم تكن معه تحس بفقر ولا شقاء ولا جوع ، كان جو حياتها أبدًا ضاحكا مشرقا بوجوده ، كان حياتها وسعادتها وكل شيء عندها ، وها هى تحمل سعادتها وحياتها وتسير بها فى طريق الفناء وحدها .. كانت الطريق طويلة شاقة .. وستقطعها وحدها ، وهى تحمل على صدرها أعز شيء لديها ..

=========================
نشرت القصة فى مجلة العصور بالعدد 1 بتاريخ 19/11/1938 وأعيد نشرها فى كتاب " فندق الدانوب " سنة 1941
=========================



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق