الجمعة، 1 يناير، 2010

من أيام الصبا


من أيام الصبا

كنا خمسة .. خمسة من الشبان المتمردين على الجماعة والخارجين على حدود الناس .. والذاهبين مع مرح الشباب ولهوه .. كنا قد انقطعنا عن المدرسة .. وتخلفنا عن الرفاق .. وسرنا مع نزق الشباب وطيشه .. فطردنا من الأهل وحرمنا من الصحب .. وتقطعت بنا الأسباب .. وذهبنا على وجوهنا نبغى العيش من التصعلك والتشرد وركوب متن الأهواء .. ثم ارتددنا على أعقابنا وضمتنا القرية الحبيبة بعد طول شتات .. فانطلقنا نعمل فى الحقول ونشرف على حراسة المزارع ..
وكانت الأيام المشردة قد مسحت ما على أجسامنا من غضارة المدينة ولينها ، فالتفت سواعدنا واشتد عودنا ، وأصبحنا أقوى ساعدا وأعظم قوة من هؤلاء الريفيين الذين يقضون حياتهم بين أحضان الطبيعة ، ناعمين بالحياة الحرة ، فى الهواء الطلق والجو المشمس ..
كنا جالسين فى حقل من حقول المزرعة وحولنا الأجران ، والليل ضارب بجرانه والصمت رهيب .. وكنا قد تأخرنا عن زمن الحصاد ، فحرمنا بذلك من أمتع " أيام الصبا " ولهوه .. كنا نقف وراء صفوف هذه السواعد القوية وهى تطوى سنابل القمح طيا ، وخلفها الفتيان الأشداء يكومون الأحمال ، وينيخون الإبل ، ونساء الفلاحين يلتقطن السنبل الساقط ، ويجمعن قوت الأيام السود .. وكنا نزجر العجائز الدميمات منهن ، وندع الصبايا الجميلات يتوغلن حتى الحقول .. كانت أسواطنا تخطئ دائما .. ومع ذلك ، فما قطعنا القلوب حسرات ، ولا ندمنا على ما فرط منا من إثم .. كنا ذاهبين مع الصبا بقلوب نزقة ، لا نحسب لأوضاع الناس حسابا .. نتخذ من عطلة الصيف ، وأيام الحصاد مرتعًا خصبًا لشبابنا الجامح وعواطفنا الجائشة .. ونظل النهار بطوله واقفين فى قلب المزرعة تحت لفح الشمس ، لا نكل ولا نمل ، لأننا نرى فى كل ساعة وجهًا فاتنًا صبوحًا من تلك الوجوه القروية النضرة التى تستغرق الطرف ، وإن كانت تعيش فى ظلام الفقر وبؤسه ..
فإذا أقبل العشى انطلقنا وراء الإبل المحملة بالقمح ، وخلفها الجمالون يحدونها بأصواتهم الشجية .. حتى نبلغ الأجران ، فتناخ الإبل وتفك عنها أحمالها ، وهى تهدر هديرًا قويًا كان يبعث فينا النشاط والحماسة والقوة ..
فإذا تمت الأجران وعلت كالأطواد ، اتخذنا من ظلالها وأوكارها أعشاشًا لغرامنا كان كل شيء فى تلك الساعات النزقة إغتصابًا وقسوة .. كانت لنا الساعة التى نحن فيها لم نكن نفكر فى المستقبل ، ولا كانت عيوننا ترتد إلى الماضى .. كنا نطوى الشهور فى المزارع بين الرياض والغياض .. ولا نرى منازلنا إلا نادرا .. كان من الصعب علينا أن نحبس قوتنا الدافقة ، وحيويتنا العظيمة بين الجدران .. كنا كالأعشاب البرية وهى تنمو تحت أشعة الشمس على أتم غراس وأنضجه ، نفتح سواعدنا عندما يشعشع النور ، ونستقبل بصدورنا ندى الفجر ، ونود من قوة عضلاتنا لو نقاتل ونرضى تلك الغريزة الفطرية فى الإنسان ..
كنا مسلحين دائمًا وحول أجسامنا أنطقة البارود ، فإذا أقبل الليل وضل إنسان العين فى سواده ، صوبنا بنادقنا فى كبد الفضاء ، وأطلقنا النار ، وأرسلنا عيوننا وراء سهام البارود النارية وهى تخترق حجب الظلام الكثيف ، وملأنا خياشيمنا برائحة البارود ..
كانت تلك الليالى من أمتع ليالى حياتنا وكانت ذكراها تبعث فينا الحماسة والنخوة .. كنا نذكرها وكأننا ننظر إلى حلم جميل ولى ..
رحنا نسترجع تلك الذكريات الحلوة ، ونحن جالسون فى هذه الليلة الصيفية المظلمة على جرن عال يشرف على أجران المزرعة ، والظلام من حولنا شديد ، والمكان موحش رهيب ..
وكان جرن كبير من الأجران قد ذرى وأعد قمحه للمخازن وكان علينا أن نسهر عليه حتى تنطوى فحمة الليل ، فأخذنا نتبادل الأحاديث الممتعة ونطرد النوم بكل الوسائل .. أوقدنا النار ، وشربنا الشاى ، ولمعنا البنادق ، وملأنا خزاناتها بالرصاص ..
وكان ينهض واحد منا كل ساعة ومعه كلبان من كلاب الحراسة فيدور حول المزرعة ويتفقد مرابط الخيل وحظائر الماشية ..
ونهض أحدنا ، وكنا مستغرقين فى الحديث فلم نشعر بغيابه .. وسمعنا على غرة نباح كلاب شديد قادم من شرق المزرعة .. ثم ومض البارود ، وأزَّ الرصاص ، وملأ الدخان عنان الجو ، فنهضنا مسرعين واتجهنا إلى الناحية التى سمعنا منها صوت الطلقات .. ثم خفنا أن تكون هذه حيلة بارعة لتبعدنا عن المزرعة ، فعدنا إلى مكاننا وأعيننا لا تتحول عن سهام النيران الحامية ..
وانقطع صوت النار وبقى صوت الكلاب ، وأخذ نباحها يقترب منا .. ثم برز شبح فى الظلام ، فصوبنا بنادقنا وهتفنا بالقادم .. فرد علينا إسماعيل ، أحد رفاقنا ، بصوت أجش .. واقترب منا وهو يلهث ووجهه يتصبب عرقًا ، وغدارته تفوح منها رائحة البارود ..
فصحنا فى صوت واحد :
ـ هل أصبت ..؟
ـ لا ولله الحمد .. وإنما كدت أن أقتل .. وكل ذلك بسبب هذين الملعونين ..
واستطرد وهو يشير إلى واحد من الكلبين :
ـ لن ترافقنى مرة أخرى يا مسعود ..!
فسأله رفيق له :
ـ هل مررت على القرة ..؟
فأجاب فى إيجاز متعمد :
ـ أجل ..
ـ وهل كان من الضرورى ذلك فى هذه الساعة من الليل ..؟
ـ أجل .. كنت فى حاجة إلى تبغ ..
ـ أكنت فى حاجة إلى تبغ أم كنت فى حاجة إلى شيء آخر ..؟
فصمت ولم يجب على أن وجهه كان ناطقًا بفعلته ..
وسأله أحدنا مازحًا :
ـ أكـنت تعس حول المزرعة أم كنت تسطو على بيوت الناس ..؟ هكذا والله هى الحراسة ..
وضحكنا جميعًا ، وعدنا إلى مكاننا الأول من الحقل .. وجلس إسماعيل ناحية ، وأخذ يمسح بندقيته ، وعلى وجهه سمات من ارتد خائبًا بعد جهاد طويل ..
وسأله أحدنا :
ـ ولكن لماذا أطلقت النار ..؟
ـ أنا لم أبدأ بإطلاق النار ، وإنما هم الذين بدأوا ..
ـ هم ..! من هم ..؟ من الذى أطلق عليك النار ..؟
ـ بصر بى بعض الفلاحين عندما نبح هذا الكلب الملعون وظنونى لصًا .. وكنت على قيد أذرع من خبائها .. فأطلقوا النار فى الهواء .. فغبت فى جوف الظلام وأطلقت طلقتين معًا .. وجريت .. وحلت لى هذه المطاردة ، وتصورت نفسى لصًا يبغى السرقة لا مخلوقًا دنيئًا يسطو على خباء امرأة فى غلس الليل وتحت ستاره ..! وبادلت الفلاحين الطلقات السريعة ، فظنونى عصابة كاملة من الأشقياء ثم راوغت تحت جناح الليل ووليت هاربًا ..
ـ ما كان أحلاها قتلة ..!
ـ أجل والله ما كان أحلاها قتلة .. وما كان أطيب وقع النعى على نفسها ..!
وقال عثمان وهو يبتسم ابتسامة عريضة ، وكان أشد رفاقنا بطشا وأعظمهم قوة :
ـ أى مشقة يلقاها الرجل دائمًا وهو فى طريقه إلى الرذيلة ومع ذلك لا يزدجر ..!
وصمت برهة ليشعل لفافة تبغ .. والابتسامة لا تبارح وجهه القوى التعابير ، الدقيق الملامح .. ثم أجاب على سؤاله بنفسه :
ـ لماذا ..؟ أجل لماذا ..؟ لأن ركوب الصعب من الأمور دائما شائق ، أم لأن الاستيلاء على ما فى حوزة الناس فيه إمتاع ولذة ..؟ ماذا كان يحدث يا صاح لو رآك زوجها .. أى موقف حرج .. دفعت نفسك فيه .. وأى مصيدة ..؟ أنا أعرف أن المرأة هى علة الشقاء الإنسانى .. كما أنها قد تكون علة هنـائه أيضاً .. ذكرتنى أيها الأخ الشهم بحادث كدت أن أنساه فما تحدثت به لإنسان ، بيـد أنى أشعر برغبة قوية تدفعـنى إلى أن أقصه عليكم ..
فسررنا وتوقعنا فى حديث صاحبنا مغامرة ممتعة نتسلى بها حتى ابنلاج الصبح ..
ونظرنا إليه فى شوق ولهفة ، وكان قد أطرق ، ثم رفع وجهه وقد غامت عيناه قليلاً ، ثم لانت ملامح وجهه وأنشأ يقول بصوت واضح النبرات :
" كنت فى التاسعة عشرة من عمرى وفى أول دراستى العالية ، وكان قد مضى علىّ سبعة أعوام فى القاهرة قضيت جانبًا منها مع بعض أقربائي ، ومضيت الجانب الآخر مع بعض الأسر الفرنجية التى تنزل عن غرفة من سكنها للطلاب البعيدين عن أهليهم .. وكنت دائماً أتخير الأسر الهادئة الكريمة الخلق .. وأقمت مرة مع سيدة أجنبية ، وكانت صبية جميلة وحديثة العهد بالقاهرة .. وكان زوجها يعمل سحابة النهار ، وجزءاً من الليل ، وكنت أرجع من المدرسة فى الساعة التى يكون فيها الرجل قد عاد إلى عمله .. ولهذا ما كنت أراه إلا نادراً .. وكانت الزوجة مع جمالها دمثة الطبع ، طيبة الأخلاق ، تعنى بى عناية فائقة ، ترتب غرفتى وتنظم كتبى ، وترتق ملابسى الممزقة ، وتعمل لى أكثر مما تعمل لزوجها ، وكانت تحب أن ترى ما فى القاهرة من حسن ، فزرنا معاً أجمل الضواحى وأنضر البساتين ، وهى تزداد بى كل يوم تعلقًا وألفة ، حتى توثقت بيننا عرى المودة وأصبحت تترقب عودتى من الجامعة أكثر مما تترقب عودة زوجها من عمله ، وأصبحت ألج عليها غرفتها فى أى وقت ، وأراها على أى حال تكون عليه ..
ومرت أيام وأنا لا أحس بوجود الزوج معنا فى منزل واحد وأصبحنا من وفرة السعادة كأننا فى حلم جميل ..
رجعت مرة إلى المنزل ساعة الظهر ، فلم أجد السيدة فى ردهة البيت كعادتها ، وكنا فى قلب الصيف ، والحر شديد فتمددت على فراشىّ ونمت .. واستيقظت قبل مغرب الشمس وهتفت باسمها فلم تجب .. فنهضت من فراشى ومشيت نحو فسحة البيت فرأيت باب غرفتها مواربًا فأدركت أنها نائمة ..
وحركت بابها برفق .. ودخلت وعينى على السرير .. فوجدت جسما ممدوداً ملتفًا فى ملاءة بيضاء .. وحلى لى أن أداعبها قبل إيقاظها فتقدمت من السرير حتى قربت منها وجذبت رجلها فلم تتحرك .. فتحولت إلى خصرها ودغدغتها .. ووقفت أرقب حركة جسمها وأنا لا أكاد أتماسك من مغالبة الضحك المكتوم .. وتحرك الجسم أخيرًا وانزاحت الملاءة .. وظهرت مقدمة رأس .. رأس صلعاء ..!
فذهلت وسمرت فى مكانى مبهوتًا .. كان وجه زوجها ..؟ أجل ..
فانفجرنا ضاحكين .. ولما هدأت عاصفة الضحك عاد الصديق إلى حديثه ..
" كان موقفًا حرجًا .. فشدهت .. ووقفت ذاهب النفس وجسمى يتصبب عرقًا .. ثم رأيت نفسى أقول فى غضب بصوت المحموم ..
ـ ساغادر الغرفة يا سيدى ..!
فنظر الرجل إلىّ دهشًا .. وقال وهو يصعد فىّ بصره ..
ـ ستغادر الغرفة ..! ما السبب يا سيدى ..! .. ما الذى جرى ..؟
ـ أثاث الغرفة رث ... ثم هى بعد ذلك متناهية فى القذارة ..؟
ـ كيف ذلك يا سيدى وقد جئنا لك بكل شيء جديد ..؟
ـ أبداً إنها فى غاية القذارة ..
وتدفق من فمى كلام لا أعرف له مرمى وكان لابد من ذلك لأنجو بأعصابى ..
وعدت إلى غرفتى وأنا لا أكاد أتصور شيئًا مما حدث ، ولازمتنى حالة من الهدوء غريبة .. ثم لبست ملابسى وخرجت إلى الطريق .. وهنا عادت إلىّ الخواطر ، وأخذت أتصور الموقف على شناعته وحال الزوج بعد أن يرجع إلى نفسه ، ويدرك أنى كنت متهجما على مخدع زوجه .. وواضعا يدى على سريرها .. وجسمها ..!
وظللت جزءاً كبيرًا من الليل وأنا متردد بين العودة إلى المنزل ، أو إيفاد صديق ليجئ لى بمتاعى وكتبى .. ثم رأيت الرأى الأول ، واتجهت صوب البيت وأنا مقدر كل الأحداث .. وكان الزوجان قد ناما .. وبقيت أساهر النجم حتى الصباح ..
ورأيت الزوجة فى اليوم التالى جالسة تقرأ فى كتاب على أريكة فى الردهة .. فمررت وأنا أذوب خجلاً .. وتطلعت إلى وجهها فرأيته لا ينم على شيء مما حدث بينى وبين زوجها ، فقد كانت تبتسم فى مرح .. فغاظنى هذا وبلغ منى الألم مبلغه ..
وقضيت بعد ذلك أيامًا فى البيت ، ونظرى لا يقوى على مجابهة الرجل ، وكان يغيظنى منه بروده وهدوؤه .. وامتلاكه زمام أعصابه وكنت أتخيل أنه بلغ مبلغًا من خبث الطوية وبراعة الحيلة وأرى فى صمته تبيتًا لأمر فى نفسه ، وكنت أود لو يثور ويضاربنى وتنتهى المعركة بيننا على أسوأ الفروض ..
وجاءت عطلة العيد فبارحت الغرفة إلى الريف ، ولم أعد إليها بعد ذلك أبدًا .. تركتها مخلفًا فيها أمتعتى وكتبى .. وهى تذكار دائم على أيام هنية ..
ولا زلت أرى المرأة وزوجها كلما ذهبت إلى القاهرة .. وأغلب الظن أنهما لم يغيرا المنزل .. كما أن الرجل لا يزال على حاله هادئاً بارد الطبع لا تعبر ملامح وجهه عن حزن أو فرح أو أى انفعال نفسانى .. أو عاطفة من عواطف الجنس البشرى ..
أما المرأة فقد أصبحت بادنة نوعاً ..!
***
وفرغ صاحبنا من قصته وانطلق يدخن ، وعدنا نشرب الشاى ، وكان الفجر قد قرب ، وبدت خيوط النور فى الأفق ، فدرنا حول المزرعة لآخر مرة ، وكنا قد تعشينا فى أول الليل ، فلما دنا الفجر أحسسنا بجوع شديد وكان الطعام سيجيء إلينا عند الشروق ولا طاقة لنا على انتظاره .. فقد اشتدت علينا وطأة الجوع ، وأخذت بطوننا تعصرنا عصرًا ..
وبعثنا اثنين منا إلى حديقة كروم قريبة ليحملا لنا منها ما يمسك بطوننا ، وجلسنا فى انتظارهما بصبر بالغ وقد انقطعنا عن الحديث ، وإذا بنا نسمع نباح كلاب المزرعة فجأة .. فصوبنا أبصارنا تجاه الصوت فرأينا غبارًا شديدًا يسد عرض الأفق .. ومددنا أعناقنا فأبصرنا قطعانًا كبيرة من الضأن قادمة من الطريق الزراعى الكبير ومتجهة إلى بعض القرى القريبة .. وظهر أمامها رجلان ضخمان يلوحان بعصوين طويلتين .. وحول القطيع كلاب كاسرة تطوقه من كل جانب ، وخلف القطيع امرأة ترتدى دثارًا أسود فاحماً .. وتهش بعصا رقيقة على الغنم ، وتزجر فى صوت رنان كلاب المزرعة عن كلابها ..
وقربت القطعان منا .. وكان أحد الرجلين معلقًا فى عنقه مزمارًا طويلاً .. أما الأخر فكان يحمل على ظهره قربة ضخمة فيها متاعهم .. وأخذنا نرقب القطيع بعينى الصقر حتى بعد عنا ، فشيعناه بأبصارنا وبطوننا الخاوية تمزق أحشاءنا .. وحدجنا الأحمال الصغيرة التى تتوثب حول القطيع الماضى فى طريقه بعيون جائعة ، ومر فى ذهننا خاطر سريع ، ودون أن ننبس بكلمة انسللنا فى أثر القطيع متجنبين طريقه .. وجرينا شوطًا ثم كمنا فى جرن كبير من أجران القمح الهش فى أقصى المزرعة ، ومرت قطعان الضأن ، وملأ خياشيمنا الغبار المتطاير من أرجلها .. وكانت المرأة لا تفتأ تتلفت يمنة ويسرة وتضرب الصغار بعصاها .. وجاوزوا حدود المزرعة ، وابتدأ الرجل حامل المزمار يزمر ، ومدت القطعان أعناقها ثم تقدمت فى صمت وسكون عجيبين .. وانقطعت المرأة بعد صوت المزمار عن الكلام ، وسكنت حركة الكلاب وانقطع نباحها .. وكان فى القطيع حمل صغير ما فتىء طول الطريق يتوثب ويركض فى كل اتجاه ، ويضرب برجليه الأرض ، فلما سمع صوت المزمار سكن أيضا واستقام بأعجوبة كسائر رؤوس القطيع .. وكنا قد تهيأنا لنقتنصه .. فما سمعنا صوت المزمار حتى شلت أيدينا ، وعجزنا عن الحركة ، وبقينا ممددين على الأرض وعيوننا تتطلع إلى السماء وتتأمل النجوم .. ورجع المزمار الحلو يتردد ، كان كأنه مزمار داود يبعث من وراء الأجيال ويدوى فى هذا الليل ، وهذا السكون .. وظللنا فى مكمننا حابسين أنفاسنا ، وصوت المزمار يهفو والقطيع يسير ونحن نرقبه عن بعد ولا نستطيع أن نتحرك ..
ورجعنا إلى مكاننا من الحقل ونحن لا نستطيع أن نعلل هذه الظاهرة الغريبة التى اعترتنا فى تلك الساعة .. أكان ذلك من تأثير الموسيقى ، أم شعور آخر أيقظته الموسيقى ..
وعاد الرفيقان الذاهبان فى طلب الكروم .. وكان أحدهما يحمل كروما أما الأخر فكان يحمل شيئا آخر .. كان يحمل حمل الضأن الذى أفلتناه من أيدينا ..
وأشعلنا النار وشويناه .. وكنا ننظر إلى اللهب الأحمر وهو يشوى لحمه .. ونتصوره منذ لحظات وهو يجرى ويتوثب بين رفاقه مرحا سعيد طروبا ، فيعصر الهم أفئدتنا ..
ولما جلسنا نأكل .. انقطعنا جميعا عن الكلام ، كأن على رؤسنا الطير .. وكانت كل قطعة من اللحم تستقر فى جوفنا تمزق أحشاءنا تمزيقا .. كنا نتصور أن الحمل لا يزال يجرى ويتوثب ، والقطيع يسير والمزمار يزمر ..

===========================
نشرت القصة فى مجلة الرسالة بالعدد 392 بتاريخ 6/1/1941 وأعيد نشرها فى كتاب " فندق الدانوب " سنة 1941
==========================


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق